كلمة التحرير

 
  الحمدُ للهِ الذي أنزلَ الكتابَ والميزانَ ليقومَ الناسُ بالقِسْطِ، والصلاةُ والسلامُ على نبينا محمدٍ الإمامِ الأعظمِ، والقاضي الأحكمِ، والمفتي الأعلمِ، وعلى آلِه وأصحابِه أجمعينَ، والتابعينَ وتابعيهم إلى يومِ الدينِ، أمّا بعد: فقدْ ذكرَ المفسرونَ رحمهم الله تعالى: أنّه في عهدِ النبي صلى اللهُ عليه وسلّمَ سرقَ طُعْمَةُ بن أُبيرق درعاً؛ وخبأَها عندَ يهودي؛ فوُجدت عنده؛ فرماه طعمةُ بها؛ وحلفَ أنّه ما سرقَها، فسألَ قومُ طعمةَ النبيَ صلى اللهُ عليه وسلّمَ أنْ يجادلَ عنه ويبرئَه؛ فنزلتْ في ذلكَ آياتٌ من التنزيلِ الحكيم: {إِنَّآ أَنزَلْنَآ إِلَيْكَ ٱلْكِتَابَ بِالحق لِتَحْكُمَ بَيْنَ ٱلنَّاسِ بِمَا أَرَاكَٱللَّهُ وَلاَ تَكُنْ لِّلْخَائِنِينَ خَصِيماً} أي: لا تكنْ محامياً ومدافعاً ومخاصماً ومجادلاً عنهم. وهذه هي الآيةُ تعدُّ أهمَّ ما استدلَ به الفقهاءُ رحمهم الله تعالى على مشروعيةِ المحاماة. والعبرةُ بعمومِ اللفظِ لا بخصوصِ السبب. ثمّ قالَ اللهُ جلّ وعلا: {وَٱسْتَغْفِرِ ٱللَّهَ} أي: استغفر الله ممّا هممتَ به من الدفاعِ عن طُعْمةَ اطمئناناً لشهادةِ قومِه بصلاحِه، {إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ غَفُوراً رَّحِيماً • وَلاَ تُجَادِلْ عَنِ ٱلَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُحِبُّ مَن كَانَ خَوَّاناً أَثِيماً • يَسْتَخْفُونَ مِنَ ٱلنَّاسِ وَلاَ يَسْتَخْفُونَ مِنَ ٱللَّهِ} أي: يستترونَ من الناسِ خوفاً وحياءً، ولا يستحيونَ من الله ــ وهوَ أحقُّ بأنْ يُستحيا منه ويُخافَ من عقابِه ــ {وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لاَ يَرْضَى مِنَ ٱلْقَوْلِ وَكَانَ ٱللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطاً}، لا يعْزبُ عنه سبحانه شيءٌ من أحوالِ الناسِ ولا يفوت؛ فهو جلَّ شأْنه عالمٌ بهم؛ يسمعُ ما يدبرونَه في الخفاءِ؛ ويُضمرونَه في السّر؛ من رمي البَريء؛ وشهادةِ الزورِ؛ والحَلِفِ الكَاذب. وفي السّنةِ ما رواه البخاريُّ عنْ النبي صلى اللهُ عليه وسلم أنّه قال: " انْصرْ أخاكَ ظالماً أو مظلوماً، فقالَ رجلٌ يا رسولَ الله: أنصرُه إذا كانَ مظلوماً، أفرأيتَ إذا كانَ ظالماً كيفَ أنصرُه؟! قالَ: تحجزُه أو تمنعُه من الظلمِ، فإنّ ذلكَ نصرُه". وغنيٌ عن البيانِ أنّ المحاماةَ قبلَ أنْ تكونَ مهنةً؛ فإنّها رسالةٌ ذاتُ شأنٍ عظيم؛ لقيامها على حمايةِ أغلى ما لدى الإنسانِ: دينِه، ونفسِه، وعقلِه، وعرضِه، ومالِه، ومن ثمّةَ؛ أصبحَ وجودُها ضرورةً مع صِنْوِه القضاءِ، فهما وجهانِ لغايةٍ واحدةٍ؛ أَلا وهيَ إرساءُ العدالةِ، وذلكَ من خلالِ علاقةِ مشاركةٍ إيجابيةٍ فاعلةٍ بينهما. وعلى ذلكَ؛ فلا غروَ أنَّ المحاماةَ لها جذورٌ راسخةٌ في تأريخ الإنسان قِدَمَ وجودِ حقِّه؛ وأحقيتِه في الدفاعِ عنه، استناداً للشرْعيةِ والقيمِ والمبادئ. ولقد غَدا دورُ المحامي يتجاوزُ مجردَ تولي المرافعةِ عن مُوكلِه، أو تقديمِ المشورة إليه؛ إذ امتدتْ مهامُه لتتناولَ مسائلَ تخصُ المجتمعَ كاملاً، لدفعِ عجلةِ التنميةِ المستدامةِ فيه. وإنّه لمن الخطأ؛ الظنُ بأنَّ المحامي؛ لسانُ موكله، الناطقُ باسمه؛ فمهنةُ المحاماة، بعراقتها، ليس مصدرُها العقدُ فحسب، بل تتعلقُ برعايةِ حسنِ سيرِ مرفقِ العدالةِ بأسرِه، وحفظِ الحقوق والحريات. بلْ إنّها إِجْمالاً هي صوتُ الحقِّ ابتداءً وانتهاء. فعلى عاتقِ المحامي يتعلقُ قولُ كلمةِ الحقِّ والعملُ به؛ حمايةً له؛ وتمهيداً للحكم به؛ وإعطاءُ الاستشاراتِ الصحيحة؛ والدفاعُ عن كلِ ذي حقٍّ؛ وتسخيرُ قدراتِه لخدمةِ دينِه ووطنِه. وما يعززُ الارتقاءَ بهذه المهنةِ العظيمةِ ذاتِ الأهميةِ الاجتماعيةِ الكبرى؛ الإسهام بشكلٍ مباشرٍ في تحقيقِ العدالة، وتفعيلِ تعاونِ هذا القطاعِ مع جميعِ مؤسساتِ الدولة؛ لما فيه خدمةُ هذا الوطنِ الغالي، ومدّ أواصرِ التعاونِ مع المجتمعِ بشكلٍ عامّ؛ ومعَ مؤسساتِ الدولةِ بوجهٍ خاصّ. وقدْ جاءَ في نظامِ المحاماةِ ولائحتِه التنفيذية بيانُ بعضِ مهامِ المحامي؛ فقدْ نصت المادّةُ الحادية عشرة من نظامِ المحاماةِ أنَّ: "على المحامي مزاولةُ مهنتِه وفقاً للأصولِ الشرعيةِ والأنظمةِ المرعيةِ, والامتناعُ عن أي عملٍ يُخلُّ بكرامتِها, واحترامُ القواعدِ والتعليماتِ الصادرةِ في هذا الشأن"؛ ومفادُ هذا النصِّ أنَّ المنظمَ السعودي لم يحصرْ مزاولةَ المحامي لمهنتِه في أمرٍ معين؛ بلْ تركَ له مزاولةَ جميعِ الأعمالِ المتصلةِ بها؛ ولكنَّ ذلك مقيدٌ بشرطٍ: "أنْ تكونَ وفقاً للأصولِ الشرعيةِ والأنظمةِ المرعية"؛ وأيضاً: "بما لا يخلُّ بكرامةِ المهنة"؛ وبالتالي: فعملُ المحامي هُنا هو عملٌ محاطٌ بجميعِ الأنظمةِ واللوائحِ؛ بلْ والأعرافِ المهنية. وجاءَ في اللائحةِ التنفيذيةِ لنظامِ المحاماةِ أنّ: "على المحامي أنْ لا يتوكلَ عن غيرِه في دعوى أوْ نفيِها وهوَ يعلمُ أنَّ صاحبَها ظالمٌ ومبطلٌ, ولا أنْ يستمرَ فيها, إذا ظهرَ له ذلك أثناءَ التقاضي"؛ وقدْ كشفَ النصُّ عنْ أهمِ محظورٍ على المحامي؛ فأوجبَ عليه عدمَ قبولِ أي دعوى فيها ظلمٌ وبطلانٌ في البداية, وأنْ لا يستمرَ فيها بعدَ ذلك في حالِ استبانَ له ذلك. وإنَّ وزارةَ العدلِ ــ وهي الجهةُ المعنيةُ بشؤونِ مهنةِ المحاماةِ ومتابعةِ تنفيذِ أحكامِ نظامِ المحاماةِ ــ تسعى جاهدةً للارتقاءِ بهذه المهنةِ؛ وترسيخِ تقاليدِها؛ وحمايةِ استقلالِها؛ وتَعي دورَ المحامينَ الكبير من خلالِ التأكيدِ عليهم بضرورةِ التمسكِ بأخلاقِ المهنةِ ومراعاةِ أصولِها؛ ومزاولتِها وفقاً للقواعدِ الشرعيةِ والأنظمةِ المرعية؛ والامتناعِ عنْ أي عملٍ يُخلُّ بكرامتِها، واحترامِ التعليماتِ الصادرةِ في هذا الشأنِ، إيماناً منها بأنَّ حمايةَ حقوقِ الإنسانِ وكفالةَ حرياتِه الأساسيةِ تقتضي بالضرورةِ حصولَ جميعِ أفرادِ المجتمعِ على خدماتٍ يُقدِّمُها مِهنيونَ محترفونَ؛ يتمتعونَ بالكفايةِ والجدارةِ والقدرةِ على أداءِ واجباتِ الدفاعِ؛ ويتحلونَ بالحَيدةِ والالتزامِ الخُلقيِّ في عملِهم. علاوةً على أنّ المحامي يشتركُ معَ الجميعِ في التثقيفِ للعملِ في إطارٍ عدليٍ نزيه, ذلكَ بأنَّ المحاماةَ ــ ولا ريبَ ــ ركيزةٌ أساسيةٌ في تطورِ أيِّ مجتمعٍ ينشدُ التقدمَ والرقي. وصفوةُ القولِ: إنّ شريحةَ المحامينَ من أهمِ محاورِ مشروعِ خادمِ الحرمين الشريفين الملكِ عبدِالله بن عبدالعزيز ـ يحفظُه الله ـ لتطويرِ مرفقِ القضاءِ الذي تضطلعُ به الوزارةُ، ولا سيّما ما يتعلقُ بالتدريبِ، والتقنيةِ، وتهيئةِ البيئة العدليةِ الملائمةِ لأداءِ رسالتِهم النبيلةِ، وإسنادِ بعضِ المهامِ إليهم. ومن الجديرِ بالذكرِ أنَّ عددَ المحامينَ الممارسينَ المقيدينَ لدى الوزارةِ بلغَ حتى سنةِ 1435هـ (2858) محامياً و(32) محاميةً. وإِنّني هُنا أَنتهزُ الفرصةَ لأُثَمّنَ الدورَ الكبيرَ للمحامينَ كَافّة؛ وأَشكرُ لهم جُهودَهم المُقَدّرةَ، وإسهاماتِهم في خدمةِ وطنِهم. سدّدَ اللهُ الخُطى؛ وباركَ في الجهودِ؛ إنِّه سميعٌ مُجيب. وما توفيقي إِلا بالله عليه؛ توكلتُ؛ وإليه أُنيب. وصلى اللهُ على نبينا محمدٍ وآله وصحبه وسلّم. عبداللطيف بن عبدالرحمن الحارثي