كلمة التحرير

 
 

الحمدُ لله ربِّ العالمين؛ والصلاةُ والسلامُ على النّبي الأمين؛ مُحمّدٍ وآلِه وصحبِه أجمعين؛ وعلى التابعين؛ وتابعيهم إلى يومِ الدّين، أمّا بعد: فالحقُّ كلمةٌ، وكلمةُ الحقِ أداةُ إنفاذه؛ إذ لا ينفع تكلمٌ بحقٍ لا نفاذ له. ومع تنوّع المشارب، واختلاف الثقافات؛ تباينت المصطلحات والصياغات لأحكام القضاء؛ لطرائق شتى، بل وغدا بعض الاحكام ـ وللأسف ـ أسيراً لمنطق الخصم، ووعاءً لسبكه، متقيداً بأساليبه، دون وعيٍ بحق الأجيال والباحثين في فهم الواقعة المدعى بها، وما انتهت إليه، لدراستها وتحليلها ومقارنتها بسواها، مع ما ينطوي عليه ذلك من بُعدٍ وبَونٍ شاسعٍ عن أصالةِ الفقه الإسلامي ودقةِ مصطلحاته، وشديدِ العناية بحدودِه الجامعةِ المانعة. والأمرُ بتحري القاضي للحقِ غيرُ قاصرٍ على اجثاثِ مادّةِ النزاعِ في شِقّها الموضوعي فحسب؛ إنّما يشملُ ضرورةً إعرابَه عنه في بيانٍ واضحٍ بألفاظٍ لا لبسَ فيها ولا إشكال؛ وبعباراتٍ لا إخلالَ فيها ولا إبهام، على من ينفذها بالذات. ومؤدّى ذلك حتماً انتقاءُ ما توافقَ عليه الفقه والقضاء من مصطلحاتٍ دقيقةٍ، وعباراتٍ لها دلالاتها ومعانيها. وإذا كانت دولُ العالمِ أجمع تباهي بأحكام قضائها عبرَ نشرها فوراً، وترجمتها أحياناً، فجديرٌ بنا ومن منطلقٍ ديني ووطني أن نبذل قصارى الجهد لإيصال رسالة عدالتنا؛ وهي أبلغ الرسالات وأجداها؛ كيف لا؛ وقضاؤنا يستمد مبادئه ويستسقي أحكامه من لدن الشريعة الإسلامية الغراء، وبلادنا تكاد تكون الوحيدة التي تطبق ما دلّ عليها الكتاب والسنة، وأمست قدوةً لغيرها، ومحلاً لمعرفة كيفية التطبيق العملي لها. من أجل ذلك؛ أكّد المنظم وشدد في نظام القضاء على المؤسسة العدلية القضائية أن تنشر ما تصدره المحاكم من أقضية في إطار عمل مؤسسي قائم على مبادئ مستقرة بعيداً عن الاجتهادات الفردية، وألزم المحاكم كلها باتباع أحكام المحكمة العليا وما تقرره من مبادئ قضائية. وغنيٌ عن البيان؛ أن القضاء لما كان يستهدف إيصال الحقوق لأصحابها على وجهٍ من إتقان العدالة وسرعتها؛ الأمر الحادي لضبط المصطلح القضائي لمنطوق الحكم وتوحيده بما هو كفيلٌ بحسن فهم مراده وتنفيذه، ولاسيما أن اللغة العربية لم تضقْ يوماً بمصطلح ولا استعصى عليها البتة استيعابُ معنى مهما دقّ. وبإزاء ذلك؛ فاضطراب المصطلح القضائي واختلاف استعمالاته وتوظيفه في غير المكان الملائم له أو استبدال غيره به له تأثيره السلبي في إيصال الحقوق لذويها، وعدم قول كلمة الحق المناطة أساساً بالقضاء. وفي السياق ذاته؛ فهذه دعوة للعودة لأصالة الفقه وعمق مصطلحاته الملحوظة من عناية الفقهاء بالتعريفات بداءةَ كلِ كتاب وباب وفصل ومسألة، مع الاستفادة في الوقت نفسه مما استقر عليه القضاء المقارن واطردت أحكامه؛ دون الإيغال في الموضوع أو التنازل عن الثوابت المُحْكمة، فالحكمة ضالّة المؤمن أنّى وجدها فهو أحق بها. ولقد سرى اضطراب المصطلح القضائي إلى أسباب الحكم ابتساراً أو إغفالاً لها بالكلية. وبرغم تقارب عمل القاضي والمفتي، بيدَ أنَّ هنالك بعض الفوارق بينهما، من أهمها أنَّ القاضي يُبين الحكم ويُلزِم به، بينما المفتي لا يلزِم به، ومن هنا برزت أهمية قوّة حكم القاضي، ولاسيما أنَّه حين يلزِم بقولِه، فإنَّه إنما يلزِم به بقوّة السُّلطان. كما أن المفتي يقول حكمه في مسألة تخص طرفاً واحداً، بخلاف القاضي فإنه لا يقول حكمه إلا فيما يخص طرفين؛ فأكثر. ولأنّ حكم القاضي ملزِمٌ للطرفين، ولا خيار لهما فيه، ولا اعتبار فيه برأيهما؛ فكثيراً ما تظهر المشاحّة بين طرفي النزاع، وغالبُ من يكون الحكم عليهم لا يرضون به، وهذا أمر جبلت عليه الكثير من النفوس. لذا؛ فمن أكثر الأمور نفعاً للقاضي ولطرفي النزاع معاً؛ أن يبين القاضي لطرفي النزاع أسباب الحكم بذكر ما استند عليه شرعاً ونظاماً في اجتهاده للفصل في القضية المنظورة لديه، وهذا أمر مطلوب منه شرعاً ونظاما. فعندما اعتمر النبي صلى الله عليه وسلم عمرة القضاء، وأراد الخروج من مكة، تبعته عمارة ابنة عمه حمزة بن عبد المطلب رضي الله عنه فتناولها علي رضي الله عنه فأخذ بيدها، وقال لفاطمة رضي الله عنها دونك ابنة عمك احمليها, فاختصم فيها: علي وزيد وجعفر رضي الله عنهم أجمعين، فقال علي رضي الله عنه: أنا أحق بها وهي ابنة عمي وخالتها تحتي، وقال زيد رضي الله عنه: ابنةُ أخي. فقضى بها النبي صلى الله عليه وسلم لخالتها، وقال: (الخالة بمنزلة الأم) رواه البخاري، ومفاد هذا الحديث الشريف أن النبي صلى الله عليه وسلم ـ وهو المعصوم ـ لما قضى، بيّن السبب في حكمه. وامتداداً لالتزام المملكة العربية السعودية في كافة نظمها بأحكام الشرع المطهر فقد نصت المادتان (١٧٩) و(٢/١٨١) من نظام الإجراءات الجزائية على وجوب التسبيب، وكذلك المادتان (١٦٣) و(١٦٤) من نظام المرافعات الشرعية. ولم يكن الاهتمام بـ(تسبيب الحكم)، لدى القضاة في المملكة العربية السعودية وليد اللحظة، ومحل اهتمام التنظيمات الحديثة فقط، بل كان التأكيد عليه من قبل؛ ففي كتابٍ لسماحة مفتي عام المملكة ورئيس قضاتها ـ في وقته ـ الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ ـ رحمه الله ـ يشرح فيها عمل القضاء وطريقته في المملكة بتاريخ ١٣٨١/٣/٢هـ قال: (عند ذلك يحرِّر القاضي حكمه بآخر القضية في الضبط، مدعماً بالحيثيات والمستندات التي استند عليها في حكمه). ومن هنا؛ نعلم ضرورة (تسبيب الحكم)، وأهميته لجميع الأطراف: المدعي والمدعى عليه من جهة، والقاضي والمحكمة من ناحية أخرى، وغيرهما من الجهات التي يكون لها صلة بالقضية، كهيئة التحقيق والادعاء العام مثلاً بل والفقهاء والباحثين والمحامين وغيرهم. وعند الكلام على التسبيب وفوائده، يجب التنبه إلى أن هذه الفوائد المذكورة للتسبيب لن تكون واقعاً؛ مالم يكن التسبيب سليماً، وواضحاً، وكافياً، ومقنعاً لمن تأمله وتأمل الحكم الصادر بناءً عليه. إذ يُعد تسبيب الأحكام القضائية في الشريعة الإسلامية كما الأنظمة أيضاً موضوعاً بالغ الأهمية؛ بحسبانه أهم ضمانات التقاضي، فهو يضمن دقة أداء القضاة لمهمتهم، والتحقق من حسن استيعابهم لواقعات الدعوى، ودفع الخصم، ويحثّهم قبلئذٍ على التروي والتفكير، ومن ثم إخراج الحكم سليماً، لئلا يكون محلاً للإلغاء أو النقض عند الطعن عليه. علاوةً على أنه يضمن بأن القاضي قد اطلع على مجريات النزاع كافّة وجميع مستنداتها، وقرأ بتعمّقٍ وتأمّلٍ كل المذكرات المتبادلة بين الطرفين، واستخلص منها ما يصح من الوقائع المؤثرة في الحكم، وأعطى التكييف الصحيح للقضية، وأنزل عليها الأحكام الشرعية والنظامية صدقاً وحقاً، وانتهى إلى الحكم الذي استخلصه بطريقة منطقية مقنعة. إذن؛ فالتسبيب ترجمة حقة للاجتهاد والعمل الذهني الذي قام به القاضي عند نظر القضية والفصل فيها، وهو كذلك وعاءٌ لكل ما أجراه القاضي باعتباره مرآةً تظهر فيها الخطوات التي سلكها القاضي وصولاً إلى النتيجة، وهو أيضاً أداةٌ فاعلة لحماية الحقوق والحريات، ووسيلةٌ لإقناع الخصوم بصحة الحكم وعدالة القضاء، ويقف سداً منيعاً ضد أي اختلال قد يعيب الحكم القضائي. وقد عرّف الفقهاء الأقدمون مصطلح التسبيب ورددوه في مصنفاتهم، باللفظ عينه ومرادفاً له بعبارة سبب الحكم ومستنده وتعليله، وغلب استعمالهم له بمعنى ما تسوقه المحكمة من أدلة واقعية وحجج شرعية ونظامية لحكمها. فالتسبيب عبارة عن مقدمات تؤدي إلى نتائج محددة قاطعة تترتب عليها. وحتى تكون النتائج صحيحةً لابد وأن تكون المقدمات صحيحة أيضاً، فالمقدمات المكونةُ من (الواقعة والقاعدة الشرعية والنظامية التي تخصع لها)؛ سببُ لنتيجة التي هي (منطوق الحكم الذي انتهى إليه القاضي). وتطبيقاً لتلك الضمانة المهمة؛ يجب أن يشتمل الحكم القضائي بالقدر اللازم على الوقائع التي يستند إليها، والأدلة التي قدمها الخصوم والتي اطمئنت إليها المحكمة بثبوتها، على أن يكون الاستدلال بهذه الأدلة قد تم بطرق الحكم الـمُعتد بها، ويلزم أيضاً أن يُبين الحكم القواعد الشرعية والنظامية التي طبقتها المحكمة التي أصدرت الحكم وكونت منها قناعتها وعقيدتها فيما انتهت إليه بالنسبة لكل دفع أو دفاع جوهري أو طلب من الطلبات الموضوعية المقدمة لها؛ وذلك حتى يُمكن مراقبة سداد الحكم، وأن الأسباب التي أقيم عليها مستمده مما تداعى فيه الخصوم وقدموه للقاضي من دعوى وإجابة ودفوع وطلبات حسبما ضبط في محضر القضية، وحتى يقتنع المطلع على الحكم بعدالته، وحتى تتمكن المحكمة الأعلى درجة من مراقبة صحة الحكم وخلوه من العوار المبطل له. وللتسبيب ضوابط يلزم مراعاتها؛ كاعتماده على الوقائع المقدمة للقاضي والمدونة محضر القضية؛ بمعنى أن تستند المحكمة في قضائها على أدلة مشروعة مستمدة مما تداعى فيه الخصوم وقدموه للقاضي؛ فإذا لم يُبين القاضي الأدلة التي استمد منها قضاءه؛ يكون الحكم معيباً مستوجباً الإلغاء أو النقض بحسب الأحوال، وأن يكون تسبيب القاضي للحكم كافياً ومنطقياً؛ بمعنى أن يورد القاضي من الأسباب الشرعية والنظامية والواقعية ما يدل على صحة الحكم وإحكام بنائه مما يحمل على القناعة به، فإذا لم يُبين القاضي الأدلة التي استمد منها قضاءه فإنه يخالف بذلك شرط التسبيب الكافي للحكم بما يُعد نقصاً في الأسباب الواقعية التي يُبرر بها الحكم الذي يُصدره، ويصبح الحكم وكأنه بلا أسباب مؤديةٍ إليه، بما يبطله، وبالتالي يكون الحكم مُعيباً بعيب عدم الكفاية في الأسباب الواقعية مستوجباً نقضه، وأن يكون التسبيب متسقاً؛ بخلوه من التناقض أو التعارض، فعلى القاضي أن يلتزم عند تسبيبه للحكم أن تكون الأسباب متوافقة فيما بينها يعضد بعضها بعضاً، وأن تؤدي بالفعل إلى منطوق الحكم القضائي. أما إفراغ الحكم في عبارة عامة أو مجملة أو متعارضة فلا يحقق الغرض المقصود من اشتراط تسبيب الأحكام. ويجبُ أن يكون التسبيب متسلسلاً؛ أي متصلاً بعضه ببعض في ترتيب متوالٍ، فعلى القاضي عند تسبيب الحكم أن يفطن إلى حقيقة ترتيب الوقائع محل الدعوى؛ فيأخذ السبب اللاحق بعجز سابقه، مقدماً الأقوى فالأقوى والأهم ثم المهم في تسلسل منطقي سليم. ويُفترضُ أن يكون التسبيب واقعياً متوازناً متطابقاً مع واقع الحال من غير مبالغة بتقليل أو تهويل، وأن تكون إيراد الأسباب متعادلاً فلا يغفل جانباً ويركز على آخر؛ فإغفال المحكمة على الرد على الطلبات المهمة والدفوع الجوهرية المؤثرة في الدعوى يترتب عليه أن يصبح الحكم عارياً من التسبيب في جزء منه, ومن ثمة يكون مُعرّضاً للطعن عليه استناداً لهذه الشائبة، إلا إن كانت المحكمة قد أقامت قضاءها على ما يكفي لحمله من أسباب. وأخيراً؛ فعلى القاضي عند كتابته الحكم أن يحرر التسبيب بصياغة واضحة مختصرة، في التزام كامل بالعربية الفصحى، ومراعاة للمصطلحات الشرعية والنظامية الدقيقة، وبعبارات متسلسلة يأخذ بعضها برقاب بعض، بعيدة عن الغريب من الألفاظ، أو التعقيد في الأساليب، وبغير تطويل ممل؛ ولا تقصير مخل. وما توفيقي إلا بالله؛ عليه توكلت وإليه أنيب.

 (عبد اللطيف بن عبد الرحمن الحارثي)