كلمة الوزير
 
 

[حِوَارٌ مَعَ الآخَرِ فِيْ قَضَايَا العَدَالَةِ]


[1] ـ " الآخر " مُصطلحٌ قديمٌ، استُخدم مؤخراً بتوسع غَير مُنضبطٍ في بعضه، وله أصلٌ من الكتاب الكَريم في قوله تعالى:" يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آَخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَأَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلاةِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ إِنِ ارْتَبْتُمْ لَا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَلَا نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللَّهِ إِنَّا إِذًا لَمِنَ الْآَثِمِينَ ". ويُحدِّدُ السّياقُ المُرادَ منهُ على مُختلفِ درجات الآخر من المُخالف في المذهب إلى المُخالف في المعتقد، ولا يؤثرُ على قَبول هذا المُصْطلح التوظيفُ السيءُ له من قبل بعض المُتخاذلين والمُخذلين في الدِّين في نابتةٍ خرجت حديثاً بأطروحاتٍ تخطرُ في مِشيتها، وتُنذر بتبعتها، في عُدوان سَافر على حِمَى الشَّريعة لإذابةِ مُعْتقدِ أَهْلِ الإسْلامِ في وَحَلِ البِدَع والشِّرك، تؤزّها للشَّر ألفاظُ كُفْر كُثْر، ولشيخي العَلاَّمَة بَكْر بن عبد الله أبو زَيد ـ رحمهُ اللهُ ـ مَقَامُ صدقٍٍ في تَعَقّبها، وهَتك سترها، وكَشْفِ زَيفها، وتحذيرِ أهلِ الإسلام من شَرِّهَا. وقَبول الآخر في المعتقد وافدٌ تغريبيٌّ لا يقولُ به مسلمٌ، لكن لا يعني هذا ألا نأخذَ ذلكم الآخر َبقول اللهِ سُبحانه:" لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ "، وقوله سبحانه:" وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا" والأسيرُ يدين بالكفر، وفي الحديث:" في كل كَبِدٍ رطبةٌ أجرٌ "، وحاصلُه جوازُ استعمال هذا المصطلح بضمانة السلامة من سلبية التَّوظيف، وحسبُنا الكتابُ الكريم، لكن متى شاعَ استخدامُه بقصدِ إذابةِ الدِّين وتهوينِ عَقَائدِ المُبتدعة والمشركين تعيَّن تركُهُ، وقاعدةُ الفقه: " أن الحكم الشرعي يتغير بتغيُّر الأزمنة والأمكنة والأحوال والعوائد والنّيات " في ضوابط معلومة لهذه القاعدة، و" الحُكمُ يدورُ مع علّته وجوداً وعدماً " . ونقصدُ من الآخَر في عنواننا أطيافاً عدة في الغرب والشَّرق من مُسْلمين وغَيْرِهِم جَرَى الحِوَارُ مَعَهُمْ دَاخلَ المملكَةِ وخَارجَها في مَسَائلَ قَضَائيةٍ وحُقوقيةٍ ذاتِ صلةٍ . الحَمْدُ للهِ رَبِّ العَالمين والصَّلاةُ والسَّلامُ عَلَى نَبيّنا مُحَمَّدٍ وعَلَى آلِهِ وصَحْبِهِ أَجْمَعين ومَنْ تَبعهُم بإحسانٍ إلى يَوم الدِّين، أمَّا بَعْدُ: فإنَّ من أجلِّ الأعمال، وأحبِّها إلى اللهِ تعالى نشرَ دعوةِ الحقِّ، والذبَّ عنها، وتتبعَ مَصَادَرِ الإِسْقاطِ والإيرادِ والإِساءةِ والعِنَادِ، والتَّصَدِّي لها بالحِكْمةِ والمَوعظةِ الحَسَنةِ والجَدَلِ بالتي هي أحسنُ، وتعظمُ المسؤوليةُ عِندما يكونُ محلُّ الجَدَلِ والسِّجال أسَّ الكيان، وهو تحكيمُ شرعنا المُطهر فيما يُصطلحُ عَلَيهِ في لُغة: "السّياسة" و"الحقوق" و"الإدارة" بـ: (عَدَالةِ الدَّوْلَةِ)، وعندما يتعلقُ الأمرُ بإبراز دَوْر عَدَالتِنا وقُدْرَتِها عَلَى الحُضُورِ "الفَاعل" و"المُؤثّر" في المُلتقَيَاتِ والمحافل الدولية، والتَّصدي لما يُثار من موضوعاتٍ حول مسائلها، ومفرداتها كافة، وألفاظها ذات الصلة بإجرائها وموضوعها، كما تعظمُ المَسؤولية عندما يكون الحوارُ مَعَ أَطرافٍ مُؤثِّرةٍ في عالمنا المُتَغيِّر في خَطَله وخَطَرِهِ، والأخذُ بالحَذَرِ عزمةٌ مِنْ عَزَائِمِ الشَّرْعِ، حتى أمرنا بالكَفِّ عن السَّفيهِ في مواضع؛ لئلا يخطل بداهيته، وفي مثل هذا يقول الله تعالى في أنموذج سفه الكفر:" وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ مَرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ". ولا ثباتَ في هذا المِضْمَارِ المحفوف بالمَتَاعب والمخَاطر إلا لمنطقِ القُوَّةِ وقُوَّة التأثير، ولا تلينُ الأطرافُ، وتسقطُ الحِجَاجُ إلا لنزالٍ لا ينقصه رسوخ في العلم، ولا نفاذ في الفهم، مع استقراء وتتبع ما عليه القوم، وهذا الأخيرُ يُسعف في رَصْدِ التَّناقض والاضطراب، " وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا"، وهو من أقوى الإسقاطات والإيرادات، ونسوقُ في هذا كائنةً سُجلت وقائعها في إحدى زياراتنا الغربية لدولةٍ أنجلوسكسونية، في مشهد محاكمة جنائية لمتهم بالقتل، وطلبِ الشَّاهدِ حَجْبَهُ عن عين المتهم، فكان له ذلك، وبعد الجلسة صار حوار مع ناظر القضية، فجاء السؤال عن طلب الشاهد، وكان الجواب أن إجابة مثل هذا الطلب في وقائع سابقة استدعى نصاً قانونياً من البرلمان. وعليه تم الإيراد بأن هذا يأتي في المدرسة اللاتينية لا مدرستكم، فالأنجلو سكسونية ـ وأنتم روادها ـ تحسم الواقعة وفق أسس هذه المدرسة عبر السلطة التقديرية لقاضي الموضوع، لتمثل بَعْدَ الاستقرار عليها سابقةً قضائيّةً، ولا يعمدُ لطلب النص في هذا الحال إلا المدرسة الأخرى، ولما كان ذلك فإنه في حكم تنازل دولة الإرث الأنجلوسكسوني عن أهم نظرياتها تحت وطأة غلبة المد اللاتيني ، أو هو تناقض في التطبيق لا يمكن تبريره، وكلا الأمرين مر بالنسبة لهم. فالأول : يحكي الانهزامَ والتَّنَازلَ عَنْ قيم كبرى في إرث التأسيس، مترجماً ـ في قراءة الجميع ـ خطأ المدرسة وانهزامَها في المعلم الأبرز والخط العريض لثوابتها. والثاني : يحكي الاضطرابَ والخَلَلَ. ولم يكن من جواب في هذا سوى أن القضاء من حقه التصدي وفق المفهوم الأنجلوسكسوني، أو يطلبَ إسعافَ البرلمان، وقلنا: لا جواب لهذا سوى ضعف القضاء عن التصدي لنوازله مع بقاء الإيرادات المشار إليها في ثاني الحال، ثم لم يكن من رد على هذا سوى الالتزام بالجواب الأول، لكن مع وضوح تام في أثر الإيراد عليهم بانَ جلياً من السياق وتدافع الحديث، وفي شجاعةِ بعضٍ آخرَ منهم ومن البرلمانيين، إذ أقروا بأن هذا الملحظَ يستحق المراجعة والمدارسة، وأنه لا توصيف له في بادي الرأي سوى تراجع القضاء عن مسؤولياته وفق مفاهيم هذه المدرسة. والحصيفُ يدرك أهميةَ المبادرة لمثل هذه الحوارات والتَّصدي لنزالاتها، "والمبادرةُ أقوى من ردة الفعل"، ومن فادح الخطأ وخطل الرأي السكوتُ عن التقارير الضاربة، والضرب عنها صفحاً، فالعاقلُ لا يغيبُ عن نباهته أهميةُ الاحتياط لمنطق القوة، والأخذ بعين الاعتبار لمراكز التأثير، والقدرة على الإساءة والنيل، والتشويه والتشويش، مع ما في ترك المآخذ المُعلنة (عالقةً دون تصدٍ وجوابٍ) من تفسيراتٍ لا تخرجُ عن وصف العَجْزِ والانقطاعِ، والحَطُّ في هذا يستهدفُ ـ في نظر غيرنا ـ شَرْعَنَا الحَنِيْف، لا رجالَ عِلمِهِ وقضائه فحَسْبُ. ولا بدَّ في هذا من بذل الأسباب الكَونيَّة، ومن الحكمة أخذ هذا الأمر مأخذ العزم والحزم؛ فالقوي متى أفرط آذى وهي سنة الله في كونه، وقد بقي المسلمون في مكةَ ثلاثَ عَشْرَةَ سنةً وهم على الحقِّ، ولم يكن في وسعهم زمنئذٍ إلا لزومُ العبادة والسَّكينة والحكمة، " أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ الآية ... " . ولما مكَّن اللهُ لهم أبلوا بلاءً حَسَناً، حتى أفصحتْ كَريمُ فعالهم عن صدق نياتِهِم، فكانت فتوحاتُ الإسلامِ التي تشهدُ بعظمةِ هذا الدِّين في نُور هِدَايتِهِ، وحُسْنِ تَعَامُلِهِ، ورحمته للعالمين، حتى دخل الناس في دين الله أفواجاً ـ حباً وطَوعاً ـ " إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا "، ولم يكن هذا الفتحُ المبين والانشراحُ للدين إلا بعد سني البعثة في عقدين ونيف كانت تساس بحكمة الشرع وعدم مناقضة سنن الله في كونه، وما إنزال الله الملائكةَ في بدرٍ بمددٍ كثير إلا رعاية لهذه السّنن ، ولو شاءَ اللهُ لاستأصلَ الشركَ، ومَحَا اسْمَهُ ورَسْمَهُ، بمَحْضِ الإرَادةِ الإلهيَّة المجردة عن الأسباب في طَرْفَةِ عينٍ أو أقل، أو بمَلَكٍ واحدٍ يُهلك القوم بطرف جناحه، لا بحشد منهم، ومن ثم فلا سنن كونية، ولا مواجهة، ولا تمحيص، ولا ابتلاء، ولا تمييز، ولكان الناسُ أمةً واحدةً. ولو بقي المسلمون في نطاق نَشْأةِ البِعثة وانتشارها الأول، فضلاً عن حَيز جزيرة العرب وأطرافها لما بلغ الإسلامُ الخافقين، ولما تابعوا تبليغَ رسالة ربِّهم. ولو لم تكن هذه الرسالةُ العظيمةُ بمَفَاهِيْمَ وسَطيةٍ معتدلةٍ، وتعاطٍ حكيم رحيم لما شغفت القلوبَ، واحتوت الأحداثَ والخُطُوبَ، " فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ ". ونحن بحمدِ اللهِ الأُمَّةُ الوَسَطُ ـ العَدل الخِيار ـ في دين السَّمَاحَةِ واليُسْرِ والتَّسْديد والمُقَارَبَة، ولا يأسن مكانه إلا من قلت بضاعته، وكره اطلاع الناس على ما في غرزه. وكم من زاجي البضاعة ضعيف الآلة أحرى به أن يطوي سجله ولا يواصل مَدَّه، وما أحسنَ ما رُوي عن الإمام أحمدَ من قولٍ لأحدِ تلامذتِهِ:" لا تَرُدَّ على أهلِ البِدَعِ "، قال: لمَ يا إمامُ؟ فأجاب: " لأنَّ شبههم أقوى من حُجَّتِكَ "؛ فلا يقابلُ الشبهَ القوية إلا الحجةُ القوية؛ فرسوخ المادة مطلوب، وهي تستدعي أدواتٍ عدة، في طليعتها التمكن من علوم الشريعة، ثم معرفة أسلوب الخطاب، وفهم المخاطب، واستطلاع معلوماته ودراستها، وكيف تسللت إليه الإسقاطات المضادة، والحامل له عليها جملة وتفصيلاً، وفي الأثر عن علي رضي الله عنه موقوفاً :" حدثوا الناس بما يعرفون أتحبون أن يكذب الله ورسوله"، وعن ابن مسعود رضي الله عنه موقوفاً: "ما أنت بمحدثٍ قوماً حديثاً لا تبلغه عقولهم إلا كان لبعضهم فتنة". ولا تخفى كائنة عبد الرحمن بن عوف مع عمر بن الخطاب رضي الله عنهما، وفيها:" لا تفعل فإنَّ الموسمَ يَجمعُ رعاع الناس ويغلبون على مجلسك فأخاف ألا ينزلوها على وجهها فيطيروا بها كل مطير ... ". ومع هذا فعلمُ الشريعة لا يُكتم ألبتة، لكن ينشر بالحكمة، "وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلا أُولُو الألْبَابِ" ، ولأبي إسحاقَ الشَّاطبي:" ليس كلُّ ما يُعلمُ مما هو حقٌّ يُطلب نشرُهُ وإنْ كان من عِلْمِ الشَّريعة ". يكشفُ هذا كلَّه قولُ الحقِّ جلَّ جلالُه في السِّراج المنير صلى الله عليه وسلم:" فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظاً غليظ القلب لانفضوا من حولك فاعفُ عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الأمر فإذا عزمت فتوكل على الله إن الله يحب المتوكلين "، وفي واقعة بول الأعرابي في مسجد النبي صلى الله عليه وسلم وحَرَمِ المسلمين يقول عليه الصلاة والسلام:" لا تزرفوه دعوه " أي لا تقطعوا بوله، فتركه الصحابة رضي الله عنهم، ثم أرشده النبي صلى الله عليه وسلم فقال:" إن المساجد لا تصلح لشيء من هذا البول والقذر، إنما هي لذكر الله، والصلاة، وقراءة القرآن"، ثم قال لصحابته:" إنما بُعثتم ميسرين ولم تبعثوا معسرين صبوا عليه دلواً من الماء " فرد الأعرابي لعظمة المشهد:" اللهم ارحمني ومحمداً ولا ترحم معنا أحداً " فعقب النبيُّ صلى الله عليه وسلم:" لقدْ تحجَّرت واسعاً ". وعامة ما فات أمةَ الإسلام من الفُرَصِ "الدعويّة" و"السياسية" و"المدنية" في فصول تاريخها المُمْتدّ عائد في غالبه إلى فوات حسن القول والعمل، ومنه غيابُ الحكمةِ والرَّشَدِ، وعدم استيعاب المعاني العظمية والمقاصد الجليلة من نصوص الوحي، والحرمان من فقه المصالح والموازنات إنْ في عِلْمٍ أو عَمَلٍ، وما بلَّغ المُسْلِمون دينَ ربِّهم بمثل ما بلَّغوه بسُلُوكِهِم العملي في : سُمُوِّ أخْلاقِهِم، وحُسْنِ مُعَاملاتِهِم، وفَهمِ مَقَاصِدِ دينهم، وإنزال الكلم منازلَهُ؛ فما يَصلحُ لقومٍ قدْ لا يصلحُ لآخرين، وما يُناسب حالاً قد لا يُناسبُ أُخرَى. والنَّاسُ في مُجْتمعِ الإيمانِ عَلَى مُستوياتٍ في عدةِ مَقَاييس فَضْلاً عن غَيْرِ المُسلمين، وقد يَسأل الصاحبُ النبيَّ صلى الله عليه وسلم فيجيبه بحسب حاله، "ولأنْ يهدي الله بك رجلاً واحداً خيرٌ لك من حُمْر النَّعَم"، ولو لم تكسب إلا أن تكف بقولك وعملك عاديات الشر عن دينك، وإن لم تنل كامل مطلبك فأنت من الفائزين، وهو ما لمسناه في إفصاح من حاورنا عن تفهمهم لحكمة التَّشريع الإسلاميّ فيما نصلُ إليه من إيضاحٍ لهم، وإن لم يولد قناعة بأساس النظرية والفكرة على ما يُعبّرون، وهذا مكسبٌ وحده؛ لأنه يعني الكف والترك، ولو تولدت القناعة لديهم لاعتقدوا وآمنوا، وفي هذا كله تفويتٌ للفرصة على المغرض والمرجف ممن يسعى للنيل من عَدَالتِنا، والحَمْلِ على سُمعتها بالأكَاذيب، والأغاليط، وشُهود الزُّور. وقد حرصنا في حِواراتنا في عددٍ من الدُول الغربية على إيضاح المعالم الرئيسة والخطوط العريضة للعدالة الإسلامية التي تحكم بها المملكة العربية السعودية في قضائها، مع التَّأكيد بالأمثلة والوثائق المصاحبة على توافق عددٍ من المبادئ والقواعد والنظريات المُعاصرة في القوانين الوضعية مع نصوص وقواعد الشريعة الإسلامية، مبينين بأنه ما من مبدأ، أو نظرية، أو قاعدة دستورية، أو قانونية صحيحة إلا ولها أصل سابق في نصوص الشريعة وقواعد الفقه الإسلامي، وأن هذا شاهد على أن دينَ الإسلام دينُ الفطرة فثمةَ مشتركاتُ عدالةٍ تتفقُ عليها الفطرةُ الإنسانيةُ، لا يُختلفُ عليها. كما بيَّنا أن الاختلافاتِ الأخرى تسري داخلَ الدَّولةِ نفسها في ولاياتها وأقاليمها في دول الاتحاد خاصة ـ بصيغها المختلفة ـ، غير أن تشريعنا الإسلامي ضياء رباني أثبتت التجارب والحقائق أنه الملاذ في كل عصر، مع استعراض نماذج حية آخرها لقاء في الديار نفسها ـ محل النقاش والحوار ـ مع ساسة وحقوقيين ومنظرين ومفكرين حمي معهم وطيس الجدل والمناظرة، فكان البيان وكانت الغَلبة والحمد لله، "والغَلبةُ لدِينِ اللهِ وواجبُنا التَّبليغُ والبيانُ". ومن التَّسديد في هذا ما يُجريه الله تعالى من الإمداد بوقائعَ تُسعفُ بالمثال الحيِّ، ومنها مكلومةٌ في زَوجها دخلتْ علينا في سفارة بلدنا في دولة غربية تشتكي بشاعةَ الجناية في قَتْلِهِ، على أيدي من أرهب في البلاد والعباد، ضَارباً ذاتَ اليَمين والشِّمال، مغشياً بفكرٍ ضَالٍّ. وقد طلبتْ منا حضورَ مُحاكمة المتهمين ـ في المملكة ـ ، فجرى سؤالها (وهي في بلد ألغى في آخر عهده عقوبة القتل) ما تودين من الادعاء تجاه المتهمين؟ فقالت بكبد تتفطر: طلبُه من القَضَاءِ إعْدَامَهُمْ، فقلت : لكنك في بلد ألغى هذه العقوبة، فكان منها جواب يشفي ويفي (دون الدخول معها في تفاصيل الحق العام والخاص)، فجرى نقل واقعتها، ولمَّا يجفَّ قلمُ تدوينها في تتمة حواراتنا، فقلنا هذه كائنة من ساعات، في سياق حديث يطول نأتي عليه وغيره في موضعه إن شاء الله . هذا وقد استعرضنا في عُموم تلك الحوارات العديد من القواعد والمبادئ والنظريات، وصار حولها نقاش بإسهاب، انتهى في مجمله إلى التفهم والتقدير، مع إيضاح حكمة التشريع الإسلامي فيما يفترق فيه مع غيره، وكانت هذه الإيضاحات محل استيعاب وتفهم كذلك. وسعدنا ـ في هذه الزِّيارات كافة ـ برفقة نُخبةٍ من قُضاةِ المملكة، وسنكونُ في العَدَد القَادمِ إنْ شاءَ الله على موعدٍ مع تفاصيل تلك الحِواراتِ ومُدَاولاتِها، استجابةً لما ألحَّ بهِ عَلينا عددٌ من أَصحاب الفضيلة القُضاة والبَاحثين والمهتمين، طالبين نشرها في استهلالة هذه المجلة على حلقات، على إثر ما نشرنا فيها من ملخصات ما دار مع وفود دولية زارت المملكة مستطلعة نظامنا العدلي ـ إجرائياً وموضوعياً ـ، تحمل في طياتها شبهاً ، لم نضق بهذا ذرعاً ونضرب عنها صفحاً، فنحن أمة الدعوة، والمستبشر معانٌ، فكان بحمد الله البيان ـ حسب الوسع ـ، وبالله التوفيق وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم،،،.

 وزير العدل