كلمة الوزير
 
 

التواصل الدوليّ لمرفق العدالة


الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على نبيّنا محمّدٍ وعلى آله وصحبه أمّا بعد: فسبق أن بينا في كلمة العدد الثاني والخمسين لهذه المجلة ما أوضحناه للمؤتمرين في الملتقى الخامس الخمسين للاتحاد الدولي للمحامين المنعقد في الولايات المتحدة الأمريكية، ونكمل في هذه الكلمة بقية ماتحدثنا عنه لذلكم الحشد الحقوقي حيث بينا لهم أنّ العدالة السعودية تتعهد بعدم ستطاعة أحدٍ أن يمسّ الحقوق والحريات المشروعة في ظلّ قضائنا العادل المحمي بقوة الدولة ودعمها، وقلنا : إنّ الدولة ترى أنّ القضاء العادل باستقلاله في أحكامه وضمانات عدالته أساس يانها وضامن استقرارها، ولذلك أعطت القضاء والقضاة من الاستقلال والضمانات والتشريعات والدعم المفتوح ما جعل من قضاء المملكة أنموذجا في معايير العدالة والحياد والقوة والمهابة، وبلغ من قوة عدالته استقرار مبادئه على التعويض عن بعض وقائع أعمال السيادة مع احترام القرار السيادي الذي يهدف إلى تحقيق المصلحة الوطنية، كما بلغت عدالته تعويض المضرور عن عمل الدولة بدون خطأ وهو ما يسمى بنظرية المخاطر أعني المسؤولية الإدارية بدون خطأ وذلك من أجل الحفاظ على التوزان بين حقوق الأفراد وامتياز الإدارة.
كما أنّ اختلاف الأديان والمذاهب والأفكار لا وزن له ولا اعتبار في معاييرنا القضائية، وبما أنّ المملكة تأخذ بمفهوم القضاء المزدوج فإنّ القضاء الإداري يعمل على مبادئ قضائيةٍ قويةٍ وعادلةٍ فالقاضي الإداري يستشعر حجم الطرف الآخر في المرافعة وهو الدولة فهو يمارس صلاحياتٍ أوسع لا تتوفر للقاضي العادي من أجل توفير أكبر ضمانةٍ لحقوق الأفراد من تعسف الإدارة، وفي المقابل لحماية سمعة الإدارة ومراقبة مشروعية قراراتها، ولا يمكن أن يشايع القضاء أيّ جهةٍ إداريةٍ على حساب موازين العدالة أيا كانتْ هذه الجهة. ونأمل دوما من كلّ محايدٍ ومنصفٍ أن يسأل العدالة السعودية عن أيّ إشكالٍ يرد على خاطره وألا يسير في طريق الخطأ من أول خطوةٍ عندما يحكم على الأشياء من طرفٍ واحدٍ ربما يكون متورطا في ممارسةٍ مخلةٍ بالنظام أو واهما في تصوره، ويجب أنْ نعلم أنّ الذي يخرج من العدالة هم
اثنان أحدهما راضٍ والآخر ساخطٌ، وغالبا ما يكون صوت الساخط عاليا خاصة إذا وجد من يسمع له وحده، وكلنا نؤمن بأنه إذا كان من واجب الجهات التنفيذية والخدمية إرضاء الجميع فإنّ من واجب القضاء العدل بينهم لا إرضاؤهم.
وعبرنا عن تقديرنا لمهنة المحاماة باعتبارها تمثّل الطرف الآخر في توصيف العدالة وهو القضاء الواقف، وقلنا: إنّ المحاماة من أهم أعوان القضاء، وأنها شريكه المصاحب في إيصال العدالة، وأنّ للمحاماة تأثيرا مهما في العملية القضائية، وأنها مهنة الحرية والكرامة والكفاح، وظيفتها حماية الحقوق، ووسيلتها الكلمة الصادقة، وسندها التشريع.
وقلنا: يجب أنْ نفرّق بين المهنة ومن يمارسها، فالخطأ إذا حصل مسؤوليةٌ قاصرةٌ على صاحبها ولا تتعدى لسمعة المهنة، ولا يكفي أن يكون المحامي دارسا للقانون، بل لا بدّ أن يتمتّع بأخلاق وسلوكيات هذه المهنة المهمة الموكل إليها حماية الأفراد والمؤسسات والحقوق والحريات المشروعة أمام القضاء من أن يطالها تعسفٌ أو ظلمٌ أو مصادرةٌ، وقد أثبتت المحاماة في بلادنا أنها على قدر القيام بهذه المسؤوليات الجسمية وساعدها على ذلك قضاءٌ عادلٌ وتنظيماتٌ عادلةٌ، ولا أسمى في سلم الفضائل من أن تقف مع مظلومٍ تحالفتْ عليه القوى فتدافع عنه وتأخذ بحقه حتى ترتفع راية العدل وتخبو راية الظلم، من خلال أدوات هذه المهنة وشرف رجالها، وبهذه المضامين نالتْ المحاماة أسمى الأوصاف واحتلتْ موقعها المتميز في سدة الرتب، يجلّي وصفها، ويترجم جهودها حكم القضاء العادل.
وقلنا: لقد ولى زمن بلاغة وفصاحة المحامي أمام منصة القضاء وأصبحت التقنية تتعامل مع الحقائق لا التحكم في العبارات وفاعلية سحرها وتأثيرها في الأسماع، ونحن في المملكة على وشك اعتماد المرافعة الإلكترونية، فالتقنية خدمتنا كثيرا، وقد حصدنا بسببها المركز لأول عالميا في سرعة تسجيل الملكية العقارية حيث اختزالنا بهندسة الإجراءات وتقنيتها الكثير من الخطوات التي تزيد من التعقيد والإطالة، ولدى وزارتنا حاليا أكثر من خمسين خدمةٍ إلكترونيةٍ مهمةٍ جدا يمكن الاستفادة منها عن طريق موقع الوزارة الإلكتروني، وننوي زيادتها في الأيام القريبة القادمة.
وأضفنا بأننا نؤمن بأهمية التخصص في المحاماة حسب المادة القضائية وليس حسب درجة المرافعة، وسيكون لهذا وغيره ترتيبٌ دقيقٌ في مشاريعنا التنظيمية القادمة.
كما تطرقنا إلى القضاء المدني والتجاري وقلنا : إنّ القضاء المدني والتجاري في المملكة يعتمد على أحكام الشريعة الإسلامية، والعديد من الأنظمة ، والمبادئ القضائية، وأول نظامٍ تجاريّ صدر قبل اثنين وخمسين عاما.
وأكدنا أنّ الضمانات القضائية تحمي رأس المال الأجنبي في المملكة وفْق مبادئ قضائيةٍ وموادّ نظاميةٍ واضحةٍ، وأشرنا إلى أن هذا جعل من رأس المال الأجنبي يسارع في الاستثمار بالمملكة، لكون أهم الضمانات لحمايته هو القضاء العادل، والأحكام القضائية في هذا السياق تعتبر أنموذجا متميزا في إرساء معايير العدالة، ولدينا قضاةٌ، وأعوان قضاةٍ، ومحامون أكْفاء للقيام بهذه المادة القضائية ذات الأهمية في استمرار وتيرة التبادل والتعاون التجاري
بين الدول.
وعن التشريع الجنائي أكدنا أنه يعتمد في المملكة على أحكام الشريعة الإسلامية، والعديد من الأنظمة، والمبادئ القضائية، وهو ينظر للجريمة باعتبارها سلوكا خاطئا في المجتمع، ويقدر ظرفها المخفف وظرفها المشدد بحسب الظروف والأحوال، وأوضحنا أنّ القضاء يفرق بين العمل المدني الضارّ، والعمل الإجرامي، فهو يرى أنّ الأول يولّد خوفا له بعدٌ خاصٌّ، وتنشأ عنه مسؤوليةٌ مدنيةٌ بحتةٌ، فيما يرى أنّ الثاني يولّد خوفا له بعدٌ عامٌّ، ويرتّب مسؤولية جنائية. وأوضحنا أنّ قضاء المملكة يعاقب على الجريمة الإرهابية بعقوبةٍ جسيمةٍ، آخذا في اعتباره ظرفها المشدد، وانطواءها على جرائم عديدةٍ حسب التكييف الذي أستقر عليه النظر القضائي، نظرا لأبعادها الخطرة التي تصفها بالجريمة الفوقية في التدرج الإجرامي.
وأنّ قضاء المملكة حازمٌ في موضوع جرائم تمويل الإرهاب معتبرا إياها جرائم ذاتية، فهي تقع ولو لمْ يرتكبْ على إثرها عملٌ إرهابي، وركنها المادي يتحقق بمجرد تقديم المال أو جمعه وإدارته.
ونوهنا بقدرة القضاء السعودي على التصدي لهذه الجرائم بإجراءاتٍ قضائيةٍ كفلت للجميع الحصول على محاكمةٍ عادلةٍ لدى القضاء المدني وهو القضاء الطبيعي، كما كفلت المبادئ القضائية الحصول على أحكامٍ عادلةٍ مستقرةٍ، حيث لا تزدوج معايير القضاء مع أطراف الدعوى تحت أيّ ظرفٍ أو طارئ، فالادعاء والدفاع على منصة القضاء على حدٍّ سواءٍ.
وأكدنا في هذا السياق ـ مجددا ـ أنّ القضاء في المملكة ملتزمٌ بنشر الأحكام ومبادئها القضائية بما يعزز مفاهيم الوضوح والشفافية، ويخدم المحامين والحقوقيين، ومن ذلك نشر الأحكام الصادرة في جرائم الإرهاب والأمن الوطني، مشيرين إلى أنّ هذه الجرائم بالنسبة للمملكة في انحسارٍ مستمرٍ، ما يدلّ على حالة الرفض والعزلة الذي تعيشه هذه الآفة، ومحاصرتها فكريا وأمنيا وقضائيا، وهو ما جعلها في حال تراجعٍ واندحارٍ، بفضل الجهود المتضافرة بتوفيق الله تعالى ، خاصة الضربات الأمنية الاستباقية لها، ورفض المجتمع لهذه الآفة بوصفها عنصرا غريبا على مفاهيمنا، علاوة على نجاح فكرة المناصحة وإعادة التأهيل الذي أخذتْ بها الدولة في سياق قيامها بواجب المحافظة على الأمن الفكري.
وأضفنا بأنّ المجتمع السعودي عاش أكثر من مائة عامٍ في دولته الحديثة، وبنفس مناهجه التربوية والتعليمية وهو لا يعرف هذه الجرائم، وتعايش مع غيره بروحٍ منفتحةٍ ومتسامحةٍ، ويكفي ما في صور التعايش السلمي في عهد النبيّ محمدٍّ صلّى الله عليه وسلّم، حيث كان الإسلام متعايشا مع غيره ولم تكن مواجهاته مع الغير إلا بحقٍ مشروع، وهو عندما يقدم هذه الهداية لا يلْزم أحدا بها فالنصّ القرآني يقول بوضوحٍ تام: " لا إكراه في الدين "، ثم إنه على إثر الانفتاح على العالم الآخر بفعل العولمة، وبخاصةٍ المذاهب الفكرية الدخيلة على الفكر الإسلامي بدأتْ هذه النبتة تنمو وكان للدعم المالي من قبل المفسدين والمخربين أثرٌ كبيرٌ في ذلك، وقد حرصت المملكة على محاصرة كلّ موارد هذه الفئة الضالة، بأنظمةٍ وإجراءاتٍ صارمةٍ جدا.
وبيّنّا أنه ليس في النصّ الإسلامي إشكالٌ ألبتة، وإنما الإشكال في فهم هذا النص، وفهم سياقاته، وربط نصوصه ببعضٍ وعدم اجتزائها، مع أننا ندرك بوعينا أنّ هناك فهما آخر لا يتعلق بالخطأ أو القصور في الفهم، وإنما بأسبابٍ لها ارتباطٌ بالرغبات والتوجهات الخاصة أو الحزبية، وأحيانا بسبب تصرفاتٍ لا نجد تفسيرا لظاهرتها القديمة قدم التاريخ إلا في علم النفس والاجتماع، والمسلم المعتدل والمتطرف أصل مصدرهما التشريعي واحدٌ، فلماذا تطرف هذا وظلّ الآخر على منهج الاعتدال الذي يمثل الفطرة والأصل، وإذا كنا مدركين لهذا الأمر القطعي أدركنا من جانبٍ آخر سبب المشكلة، وعزاؤنا دائما أنّ التطرف ليس له راية دائمة وإنما شعاراتٌ وقتيةٌ تعقبها شعاراتٌ متطرفةٌ أخرى، وهكذا فهو متذبذبٌ ومنبوذٌ، لأنه يخالف المبادئ الصحيحة، وقد مضت سنة الله، وعلمتنا أقداره الحكيمة في هذا الكون أنّ من يخالف الحقائق والسنن الإلهية فإنه يخسر، وما يحققه التطرف من انتصاراتٍ وقتيةٍ موهومةٍ فإنما تضاعف من تعبه وتزيد في شقائه؛ فهي تتحول في منعطفها المحتوم إلى حسرةٍ عليه وعلى أتباعه، والتاريخ أكبر شاهدٍ على هذه المسلّمة، لكنّ البعض محجوبٌ عن عظة التاريخ .
وما يريحنا من الداخل أنّ التطرف لا زمن له ولا مكان، غير أنه يسؤونا توظيف البعض لأيّ تصرفٍ سلبي على أنه (بمقتضى النظرة المبتسرة) يمثل الجهة التي ينتمي المتطرف إلى ترابها أو اسمها، ونعتقد أنّ هذا من أفدح الظلم والجور، بل كيف يمكن تصور هذا الأمر في ظل وجود أحكامٍ قضائيةٍ قويةٍ صادرةٍ ضدّ التطرف المحسوب ظلما على الإسلام، تصل في بعضها إلى الإعدام من قبل قضاةٍ لم يتم اختيارهم لنظر هذه القضايا إلا وهمْ على درايةٍ كافيةٍ بالفقه والفكر الإسلامي وفْق المفاهيم الوسطية المعتدلة، فضلا عما يتمتعون به من الحياد والاستقلال.
وقلنا: إنه يجب على النظرة الحقوقية أن تكون عادلة ومنصفة تماما ولا تكون كذلك إلا إذا أصبحت موضوعية ومتفهمة وغير متسرعةٍ ولا مسلوبة الرأي من خلال التأثر باتجاهٍ واحدٍ وهو الاتجاه الأسبق في نقل المعلومة المضللة أو المغرضة، دون النظر في الاتجاه الآخر، والقاضي يسمع من طرفي القضية، والنظرة الحقوقية تمثل الجانب الآخر من العدالة، ويصعب جدا أن نفقد النظرة المتوازنة والعادلة من جهة العدالة، وأحسن ما في هذه السياقات أنها صفحاتٌ مفتوحةٌ ومتاحةٌ للجميع لا مجال فيها لأي أسلوبٍ من أساليب التخفي، ولا تكلف صاحبها سوى السؤال فقط، والجواب على السؤال سيكون مكشوفا للجميع ولا يمكن إخفاء أسانيده أبدا.
وتابعنا القول : بأننا نجد الخفاء والغياب في بعض العقول التي يفترض أن تكون أكثر انفتاحا وتحررا وموضوعية، وأكثر بذلا للجهد للحصول على المعلومة الصادقة والحقيقية، إنّ من يخفي الحقائق أو يمارس الخطأ يظلم نفسه قبل أن يظلم غيره، ويدقّ أول مسمارٍ في نعشه وهو لا يدري، لكننا بوعينا الإسلامي، ووعينا الحقوقي، ووعينا الحضاري ندرك تماما هذه الأمور، وبإدراكنا لها عشنا في وطنٍ آمنٍ متآلفٍ متحابٍّ، يحب بعضها بعضا، ويحب الآخرين ويتمنى للإنسانية أجمع كلّ خيرٍ.
وقد كنا أول من بادر برفع راية حوار الحضارات والثقافات والأديان وبادر علماؤنا بالحوار في الكثير من البلدان الغربية منذ أكثر من أربعين سنة، وسجل التاريخ هذه الثقة والانفتاح، لكنها كانت في استمرارها ونشاطها بين مدٍّ وجزرٍ لأنها تفتقد العمل المؤسسي وهو ما انبرى له خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز من خلال عملٍ مؤسسي تاريخي، وقد قلنا عدة مراتٍ إنه لا يحاور إلا الأقوياء ومنْ صفحاتهم بيضاء ومفتوحةٌ لكل قارئ، وفي جانب العدالة عقدنا عدة حواراتٍ مع العديد من الحقوقيين ومع المعنيين
بالشأن القضائي وإصلاحاته واستفدنا منهم واستفادوا منا، فنحن لا نتردد في الأخذ بالمفيد أيا كان مصدره، ولا نتردد في إفادة ومساعدة الآخرين، فعدالتنا متاحةٌ للجميع.
وفي سياق حديثنا عن القضايا الجنائية أكدنا أنّ العدالة في المملكة تجرّم بشدةٍ الاتّجار بالبشر، وغسل الأموال، وتهريب، وترويج، واستخدام المخدرات، وتتعامل مع جرائمها بكل قوةٍ وحزمٍ في إطار مبادئ وقواعد العدالة والتشريعات المحلية، وتتعامل مع أي شكلٍ من أشكال الإساءة للقاصرين لأهدافٍ مادية، على أنه نوعٌ من الاتجار بالبشر، وأي إساءةٍ أخرى لهم تكيّف على أنها إخلالٌ بالأمانة والمسؤولية .
وعن الرقابة القضائية على دستورية الأنظمة أوضح الوزير بأنّ المملكة تأخذ بأسلوب رقابة الامتناع لا رقابة الإلغاء، فالقضاء يمتنع عن العمل بالنظام إذا خالف الدستور أو خالف النظام الأعلى درجة، وفْق مبدأ التدرج التشريعي، وخضوع القاعدة الأدنى للقاعدة الأعلى، وفي الأخذ بنظرية الرقابة الامتناعية فلسفة تتعلق بتحقيق الهدف من تعليق العمل بالقانون مع احترام المنظم بحيث يلغي النظام أو بعضه، ومن ثم يعاود إصداره من تلقاء نفسه على ضوء ما انتهى إليه القضاء.
فعندما نعطي البرلمان الفرصة لأنْ يلغي قانونه بنفسه أفضل من أن يلغيه القضاء مباشرة، خاصة وأن حماية الحقوق من القانون المخالف للدستور مكفولةٌ بتعليقه من خلال امتناع القضاء عن العمل به واعتباره كأن لم يكن، ومن ثم مناشدة المشرّع بأن يعدل قانونه، وثمة فلسفة تقول بأن مباشرة القضاء إلغاء القانون دون الاكتفاء بالامتناع عن تطبيقه يمثل حلوله الجزئي محلّ البرلمان، وهذا يخالف مبدأ الفصل بين السلطات، وجميعنا نؤمن بأنّ هذه النظرية والنظريات المقابلة لها تمثل وجهات نظرٍ لا بد أن نحترم فلسفاتها، ومن جانبٍ آخر ندرك أن الدول قد تتبادل الأدوار في هذه الفلسفات نتيجة المقتضيات والسياقات، وهذه سنة الله في خلقه.
كما بينا أيضا بأنّ هذه النظرية تذكرنا بنظريةٍ قريبةٍ منها وهي اكتفاء القاضي الإداري بإلغاء القرار الإداري المعيب دون الحلول محل جهة الإدارة بإلزامها بأي إجراءٍ، لكون القضاء يراقب ولا يدير، والقضاء الإداري كما هو معلومٌ يلغي القرار ولا يكتفي بمجرد تعليق العمل به، لسببٍ واحدٍ وهو أنّ القرار الإداري لا يمثل كيانا ككيان النظام الذي هو امتدادٌ لكيان السلطة التشريعية التي تعتبر بعض النظريات الحقوقية أن ما يصدر منها غير قابلٍ للمراجعة مطلقا ولو خالف الدستور، وأنّ أعضاء البرلمان هم نواب الشعب الذين صوتوا على الدستور، فهو تصويتٌ منهم غير مباشرٍ بتعديل الدستور بمجرد صدور القانون المخالف له، وهذه الدول لا ترتضي وجود محاكم دستوريةٍ، ولا محاكم عليا لها رقابة دستورية إلا على القوانين الفرعية، مع أنّ القضاء الإداري في هذه الجزئية الأخيرة كافٍ في وضع الأمور في نصابها الصحيح، وأوضحنا بأن كافة هذه النظريات محل دراسةٍ وجدلٍ حقوقي، لكن ـ
كما سبق ـ يجب على كل منا أن يحترم اتجاه الآخر وخياره.
واستعرضنا معهم عددا من التشريعات المحلية المتعلقة بفصل الجنايات، ومنها نظام "مكافحة التزوير"، ونظام : "مكافحة الرشوة"، ونظام: " مكافحة الغشّ التجاري"، ونظام: "مكافحة غسل الأموال"، ونظام " مكافحة المخدرات والمؤثرات العقلية "، ونظام " مكافحة جرائم المعلوماتية "، ونظام " مكافحة التستر"، ونظام: " مكافحة جرائم الاتجار بالأشخاص" وغيرها .
كما بينا لهم تعريفا موجزا بمشروع خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز لتطوير مرفق القضاء الذي صدر قبل بضع سنواتٍ متزامنا مع صدور نظام السلطة القضائية الأخير وتم دعم هذا المشروع بمليارات الريالات، وقلنا إنّ وزارة العدل شرعتْ في تنفيذ ما يخصها من المشروع والذي تم تصنيفه إلى عدة أقسام:
الأول: يتعلق بصروح العدالة في مبانيها وتجهيزاتها.
ولدينا في هذا مشاريع كبيرةٌ، تعتمد توفير البيئة العدلية الأفضل، وحرصنا في تشييدها على تعزيز مبدأ شفافية التقاضي، من خلال قاعات الحكم المفتوحة والواسعة، لإتاحة الفرصة للجميع لمراقبة حسن سير العدالة.
الثاني: التقنية : وقد عملت وزارة العدل على إحداث نقلةٍ تقنيةٍ متميزةٍ، ونأمل قريبا في تطبيق المحكمة الإلكترونية، وقد تم العمل على تفعيل بعض إجراءاتها مرحليا.
الثالث: الجوانب العلمية والتأهيلية والتدريبية: ويعتبر هذا العنصر من الأهمية بمكان حيث أخذتْ الوزارة على نفسها نشر الثقافة المتعلقة بالعدالة، لتنمية الوعي الحقوقي لدى المجتمع، ونفذت في هذا العديد من الأنشطة، كما عملت الوزارة على تعزيز المادة العلمية لدى أعضاء السلطة القضائية، فأصدرت مؤخرا مجلة " القضائية " المعنية بالبحوث والدراسات القضائية المحكّمة، مع إيجاد ورش عملٍ تحريريةٍ على صفحات المجلة، وعملت على تدريب الموارد البشرية داخل المملكة وخارجها في أفضل وأميز مراكز التدريب، وبالله التوفيق.

وزير العدل