كلمة الوزير
 
 

التواصلُ الدوليُّ لمرفقِ العدالةِ
حِوَارٌ ... وَبَيَانٌ
( 3 )

الحمدُ للهِ وحدهُ، والصلاةُ والسلامُ على نبيِّنا محمَّدٍ وعلى آلهِ وصحبهِ أمَّا بعدُ:
ففي إطارِ مِحورِ: "التواصلِ الدَّوليِّ" لمَشروعِ خادمِ الحَرَمينِ الشَّريفينِ الملكِ عبدِ اللهِ بنِ عبدِ العزيزِ لتطويرِ مرفقِ القضاءِ، وبدعوةٍ مِن الاتحادِ الدوليِّ للمحامينَ في مؤتمرِهِ الخامسِ والخمسينَ المنعقدِ في الولاياتِ المتحدةِ الأمريكيةِ، يسَّرَ اللهُ تعالى إلقاءَ محاضرةٍ عن العدالةِ في المملكةِ العربيةِ السعوديةِ مع تبيانِ المعالمِ الرئيسيةِ والخطوطِ العريضةِ لمشروعِ خادمِ الحرمينِ الشريفينِ لتطويرِ المرفقِ، وذلك في تجمعٍ حاشدٍ من أكبرِ الملتقياتِ الحقوقيةِ العالميةِ.
هذا وفي : (تضاعيفِ المُحاضرةِ)، وما تلاها من (حِوارٍ مفتوحٍ)، و(غداءِ عملٍ مشمولٍ كذلك بحوارٍ مفتوحٍ مع عددٍ من قادةِ العملِ الحقوقيِّ في بلدانهم ) أشرنا في مجموعها إلى
ما أوضحناهُ لغيرهم ـ في تواصلنا الدوليِّ ـ من أنَّ تاريخَ نظامِ السلطةِ القضائيةِ في المملكةِ يعودُ إلى ما يقارب المائة عام، وأنَّ هناك إجراءاتٍ استقرَّ عليها عرفُ القضاءِ في ذلك الوقت، شكَّلتْ حجرَ الأساسِ للنظامِ، لتتحولَ فيما بعدُ إلى أنظمةٍ مكتوبةٍ مثلتْ بمجموعها نظامَ السلطةِ القضائيةِ، جاءتْ على مراحلَ زمنيةً متتاليةً، شملتْ نظامَ السلطةِ القضائيةِ العامِّ، ونظامَ القضاءِ الإداريِّ، وإجراءاتِ التقاضي في الموادِّ: "المدنيّةِ"، و "التجاريّةِ"، و "الأحوالِ الشخصيةِ"، و "الجنائيّةِ"، و "الإداريّةِ"، وبيّنا أنَّ المملكةَ تأخذُ بمفهومِ القضاءِ المزدوجِ، وهي فكرةٌ إسلاميةٌ قديمةٌ، وأنَّ عدداً من المدارسِ القضائيةِ أخذتْ بها.
وأشرنا إلى أنَّه على امتدادِ مراحلِ التطورِ والتحديثِ التنظيميِّ المستمرِّ فإنَّ هناك قواعد راسخة تمثلُ نقطةَ ارتكازٍ العدالةِ السعوديةِ التي تحفلُ بكلِّ المعاني الأخلاقيةِ والإنسانيةِ التي تحمي حقوقَ الإنسانِ وحرياتِهِ المشروعةَ، وتتوافقُ مع صحيحِ النظرياتِ وقواعدِ العدالةِ الإنسانيةِ، ومن أهمِّ القواعدِ التي ارتكزتْ عليها العدالةُ في المملكةِ:
1ـ اعتماد نصوصِ الشريعةِ الإسلاميةِ مصدراً للأحكامِ القضائيةِ، مع الأخذِ في الاعتبارِ أنَّ هذه النصوص تحتوي على مادةٍ فقهيةٍ غنيةٍ بالأحكامِ والقواعدِ، متميزةٍ بمرونتها في التطبيقِ والنقلِ إليها عن طريقِ القياسِ، كما تتميزُ بسهولةِ مراجعةِ كثيرٍ من أحكامِها وتغيرِها بحسبِ تغيرِ الزمانِ، والمكانِ، والأحوالِ، والعاداتِ وَفْقَ ضوابطَ معينةً.
وقلنا بأنَّ مسوغَ سعةِ وشمولِ هذه المادةِ الفقهيةِ غزارةُ النصِّ الإسلاميِّ، وتنوعُّ اتجاهاتِ الفقهاءِ في قراءةِ بعض النصوصِ، ومستوى الاستفادةِ من هذه الغزارةِ حيث تحمل بعض النصوصِ العديدَ من الأحكامِ والقواعدِ، وأنَّ هذا العُمق يُوَلِّدُ ثروةً فقهيةً ضخمةً، وعندئذٍ يختارُ القضاءُ ما يراهُ الأقربَ للعدالةِ من وجهةِ نظرِهِ، ومع هذا فالقضاءُ قد يجتهد من تلقاءِ نفسِهِ في الاستنباطِ، ومن كلٍّ تتكوَّن المبادئُ القضائيةُ وينسجمُ عقدُها في سياقِ أحكامٍ منتظمةٍ تُمثل سوابقَ قضائيةً تتشكلُ معها هذه المبادئ، وَفْقَ اجتهادِ قضاءِ الموضوعِ، واعتمادِ المحكمةِ العليا لهذا الاجتهادِ أو وَفْقَ اجتهادِها من تلقاءِ نفسها عندما تتصدَّى للقضيّةِ.
وبيَّنا أنَّ المبادئَ القضائيَّةَ في المملكةِ تتلاقى مع جملةٍ من القواعدِ والنظرياتِ والمبادئِ القضائيةِ في العديدِ من دُوَلِ العالَمِ، تأسيساً على أنَّ مشتركاتِ العدالةِ تتقاربُ غالباً في قواعدِها الكليةِ، وأنَّ الاختلافَ إنما يتسعُ في التفاصيلِ، ومن هنا تفاوتتْ المبادئُ القضائية، سواءً كانت سوابق كما في المنهجِ الأنجلوسكسوني، أو كان المبدأُ متوشحاً في تأصيلِهِ بنصٍ قانوني كما في المنهجِ اللاتيني، وعندما نقولُ هذا ندرك أنَّ التقنينَ تكتنفهُ العديد من الجدلياتِ ولاسيما في التكييفِ والتفسيرِ؛ إذ يتحولُ المعتمد منها بأدواتِ حسمه إلى مبادئَ قضائيةٍ.
وتابعنا بأننا كلنا نعلمُ أن قراءةَ نصوصِ الشريعةِ الإسلاميةِ تمثل عدةَ اتجاهاتٍ في تفسيرها، مثلما تكون الاتجاهاتُ في تفسيرِ وشروحِ الدساتيرِ والقوانينِ والنظرياتِ الحقوقيةِ والفلسفيةِ، ولا يعني هذا شتات هذه الدساتيرِ والقوانينِ أو النظرياتِ وعدم القدرةِ على التعاملِ معها بوضوحٍ ودقةٍ نظراً لحاجتها للتفسيرِ والشرحِ وخضوعها للاجتهاداتِ المتعددةِ، وذلك أنَّ المُعولَّ عليه هو آليةُ الحسمِ لدى كل جهة تتعامل مع هذه النصوصِ، ويعنينا في هذا السياقِ القضاء الذي يحسمُ الأمرَ وَفْقَ اجتهادِه مهما تكن الآراء الأخرى، بل هناك من يكتبُ معلقاً على الأحكامِ القضائيةِ، طارحاً أكثرَ من وجهةِ نظرٍ في فهمِ النصِّ، وهي لا تعدو أن تكون تعبيراً عن وجهاتِ نظرٍ مخالفةٍ قد يأخذ القضاءُ أيَّاً منها في اجتهادٍ جديدٍ، متى اقتنع بهِ.
ثم أوضحنا المرتكزَ التالي من ركائزِ القضاءِ السّعودي وهو :
2ـ استقلالُ القضاءِ، وتوفيرُ ضماناتِ هذا الاستقلالِ بحياده التامّ وعدم التأثيرِ عليه، وقد رتبَ نظامُ السلطةِ القضائيةِ هذه الضمانات في عدَّة أحكامٍ من أهمها :
أ ـ يتم تعيينُ القضاةِ وترقياتهم وتأديبهم وعزلهم، ومجموعة أخرى من شؤونهم الوظيفيةِ عن طريقِ مجلسٍ قضائي مستقل، وهذا المجلس يمثل ضمانةً مهمةً لاستقرارِ القاضي وأمنه الوظيفي، حيث يصدر عن هذا المجلسِ ترتيب الشؤونِ الوظيفيةِ للقضاةِ.
ب ـ عدم قابليةِ القضاةِ للعزلِ إلا في الحدودِ المبينةِ في نظامِ السلطةِ القضائيةِ.
ج ـ عدم جوازِ نقلِ القضاةِ إلى وظائفَ أخرى إلا برضاهم، أو بسببِ ترقيتهم، وَفْقَ نظامِ السلطةِ القضائيةِ.
دـ عدم جوازِ مخاصمةِ القضاةِ ـ بسبب أعمالِ وظيفتهم ـ إلا وَفْقَ الشروطِ والقواعدِ الخاصة بتأديبهم وَفْقَ نظام السلطةِ القضائية.
   ثم جاءَ الحديثُ عن المرتكزِ الثالثِ وهو :
3ـ توفيرُ كافة ضماناتِ العدالةِ المتمثلةِ في عدة أمورٍ من أهمها بعد استقلالِ القضاء :
أ ـ نشر الأحكامِ القضائية بمبادئها؛ تحقيقاً لمبدأ الشفافيةِ، بالاطلاعِ على حسن سيرِ العدالة، والتأكد من انضباطِ أحكامها وتماثل خطوها، وكفاءةِ رجالها، والدخول لقضائها على بينةٍ ووضوح، وبخاصةٍ المستثمر، والداخل لأراضي المملكةِ بعامة، فلابد له أنْ يكونَ على درايةٍ بالمبادئ القضائيةِ التي يرتكزُ عليها القضاءُ السعودي في مادته الإجرائيةِ والموضوعية، والأولى مكتوبة، والثانية في وجدانِ العملِ القضائي والحقوقي، يعلمها كلُّ مختصٍ ومهتمٍ، مثلما هي دساتير بعضِ الدولِ (محفوظةً غيرَ مكتوبة) لأنها ـ كما يعبرون ـ أسمى من أن تكتب فمحل تدوينِها الوجدان، غير أننا شرعنا في هذا التدوينِ ليس تراجعاً منا عن مكانِها الحقيقي، لكن تقديراً لوجهاتِ النظر الأخرى وتقديراً لمطالبِها، ونحن إذ نقرر هذا الأمرَ لا نتجاهل استحقاقاتِ النشرِ، وخاصةً الاستحقاق النظامي ـ بالنص عليه ـ غير أنَّ النشرَ المجرد يختلف عن تدوينِ المبادئ، والنشر المجرد لا يحقق كمال الغايةِ المنوه عنها، فهو سردُ وقائعَ وأسبابٍ ومنطوقٍ لا يستطيعُ أيُّ قارئٍ أو مستطلع أو محللٍ من فقيهٍ أو شارحٍ أو حقوقي أنْ يقطعَ بالمبدأ فيها (وهو الأهم) سوى جهة الاختصاصِ وهي المحكمة العليا، ومهما اختلفتْ القراءاتُ فالمعولُ عليه هو اجتهادُها ونصُّها ولا غرو؛ فهذا عملُها، واختصاصُها، ولا تصادر عليه ألبتة.
وبمناسبةِ سياقِ التمثيلِ ببعضِ الدساتيرِ في التدوينِ من عدمِه، لا بُدَّ أنْ نشيرَ إلى أنه ما من دستورٍ غير مكتوبٍ إلا وله وثائق دستورية مكتوبة، وكذا العكس فما من دستورٍ مكتوبٍ إلا وله وثائق دستورية غير مكتوبة، وهذا ينسحب تماماً على ما ذكرنا في نشرِ الأحكام بمبادئها عندنا وعند غيرنا، نقول هذا حتى لا يورد موردٌ بمثالٍ يتوهمُ به النقضَ على ما قررنا فالحقُّ أنَّ تخريجَه مُكَيَّفٌ على هذا، وهذه الاستطرادةُ لقارئِ هذه المُقدمةِ ـ بحكمِ السياقِ والمناسبةِ ـ ولم تكنْ لمن أشرنا إليهم.
ب ـ علانية الجلساتِ، وشفافية مجرياتِ القضيةِ في كافةِ مراحلها، لتمكين الجميعِ من مراقبةِ حسن سيرِ العدالةِ، وقلنا بأننا نؤمنُ بأنَّ العلانيةَ ركنٌ من أركانِ صحةِ الإجراءاتِ إلا فيما استُثني لطلبِ أطراف القضيةِ جميعاً، ومقتضيات المصلحةِ الرَّاجحةِ وَفْقَ السُّلطةِ التَّقديريةِ للقاضي بما لا يدع مجالاً للشكِّ، أو يَفتح السجال السلبي حول سلامةِ قرارِ المحكمةِ فيما انتهتْ إليه من تقديرٍ، ولا يدخل في هذا الأمرِ الاجتهادُ المقابلُ ما دام في نطاقِ الرأي والرأي الآخر، على أن يحترمَ المُقابل قرارَ المَحْكَمةِ وحيادَ سُلطتها التقديريةِ، شرطَ ألا تمتد سلطةُ المحكمةِ إلى التحفظِ على نشرِ الحكمِ وَفْقَ ضماناتِ النشر، فنشرُ الأحكامِ له أهدافٌ تتجاوز هدفَ الشفافيةِ ومراقبة سيرِ العدالة.
جـ ـ الأخذ بمبدأ تعددِّ القضاةِ ـ ثلاثة قضاة ـ في أصلِ قضاء المحاكمِ الجزائية، وبعض دوائرِ المحاكمِ الابتدائيةِ الأخرى، وفي كافة دوائرِ محاكمِ الاستئناف، والمحكمة العليا.
أما القضايا الجنائيةُ الكبرى التي بينها نظامُ السُّلطةِ القضائية، فتنظر قضاياها في جميعِ الأحوال وجوباً من ثلاثةِ قضاةٍ في المحكمةِ الجزائية، وخمسةِ قضاةٍ في كل من محكمةِ الاستئناف، والمحكمةِ العليا، والمجموع ثلاثة عشر قاضياً.
د ـ بموجبِ دستورِ الدولةِ فإنَّ حقَّ التقاضي مكفولٌ للجميعِ ، وكذلك الحق في اللجوءِ للقضاءِ الطبيعي، وليس لدى المملكةِ قضاءٌ استثنائي، بما في ذلك قضايا الإرهابِ والأمنِ الوطني، فهذه القضايا يحاكمُ المتهمونَ فيها أمامَ القضاءِ الطبيعي بإطارِه المدني، في جلساتٍ علنيةٍ أمامَ الجميع.
هـ ـ مبدأ المساواةِ أمام القضاءِ، وقد قضتْ أحكامُ إحدى أهمِّ الوثائق الدستوريةِ في الدولة وهو النظامُ الأساسيُّ للحكمِ على أنَّ حقَّ التقاضي مكفولٌ بالتساوي للمواطنينَ والمقيمينَ في المملكةِ ويبين النظامُ الإجراءاتِ اللازمةَ لذلك.و ـ حق كلِّ شخص في المثولِ أمامَ القضاءِ للدفاعِ عن نفسه أو توكيل محامٍ عنه.
ز ـ عدم جوازِ إخفاءِ أي من مستنداتِ القضية عن أي من أطرافِ الدعوى بذريعةِ سريتها متى كان من شأنها التأثيرُ على مسارِ القضية، وللقاضي أنْ يطلبَ ما يحققُ العدالةَ من أي جهة كانت، ولا يجوز لأيِّ جهةٍ أن تتحفظَ على ذلك بذريعةِ السريةِ أو الخصوصيةِ .
ح ـ إنشاء محكمةِ مبادئ ونظام وهي المحكمةُ العليا في القضاءِ العام، والمحكمةُ الإدارية العليا في القضاءِ الإداري؛ لضمانِ استقرارِ الأحكامِ والمبادئ القضائيةِ، وعدم ازدواجيةِ الأحكامِ في الواقعةِ الواحدة، وللتصدي للأخطاءِ البينة في الأحكامِ، ولإعطاءِ المزيد من الضماناتِ في القضايا الكبرى المسماةِ في النظامِ حيث يتم تدقق المحكمةِ العليا لهذه القضايا وجوباً.
وأوضحنا أنَّ نظامَ السلطةِ القضائيةِ تضمن تحديث إدارةِ القضاءِ وترتيب المحاكمِ على النحوِ التالي:
1ـ توسيع مفهومِ التخصصِ النوعي في نظر القضايا، وقد نصَّ النظامُ على إيجادِ محاكم : عامةٍ ،وجزائيةٍ ،وأحوال شخصية، وتجاريةٍ ، وعمالية ، وأجاز نظامُ السلطةِ القضائيةِ للمجلس الأعلى للقضاءِ إحداثَ محاكمَ متخصصةٍ بترتيبها النظامي .
وقلنا إنَّ نظامَ القضاءِ الإداري تحتَ مظلته المسماة " ديوان المظالم " تضمن تسمية المحاكم الإدارية، التي تنظرُ في دعاوى الاعتراضِ على القراراتِ الإداريةِ، ودعاوى العقودِ الإداريةِ، والدعاوى التأديبية، وبينا أنَّ المملكةَ تأخذُ بمفهومِ القضاءِ المزدوجِ، فالقضاءُ الإداري مستقلٌ استقلالاً كاملاً عن القضاءِ العام، وله مجلس قضاءٍ خاصٍّ به، وكذلك محكمة عليا تُعنى بالنظرِ في الأحكامِ المطعونِ عليها بعدَ الاستئنافِ، ولا تقبل المحكمةُ العليا والمحكمةُ الإداريةُ العليا الطعنَ أمامَهما من الناحيةِ الموضوعيةِ إلا وَفْقَ ضوابطَ معينةٍ بينها النظامُ.
 2ـ ومن التحديثِ إعادةُ صياغةِ درجاتِ التقاضي فسميتْ المحاكمُ الابتدائيةُ، ومحاكمُ الاستئنافِ، والمحكمةُ العليا، وبناء على هذا تفرغتْ محاكمُ الاستئنافِ لعملها الأساسيِّ، وهو استئنافُ القضيةِ أمامَها، كدرجةِ تقاضٍ ثانيةٍ، وانحصرَ اختصاصُ المحكمةِ العليا في نظرِ موضوعِ القضايا الجنائيةِ الكُبرى المُسمَّاة في النظام (كدَرجةِ تقاضٍ لا ترافع)، من خلالِ مُراقبةِ التطبيقِ الصَّحيحِ للنظامِ، وإرساءِ المَبادئِ القضائيَّةِ وحراستِها، كمحكمةِ تعقيبٍ، والاضطلاع بمسؤوليةِ سدِّ الفراغِ التنظيميِّ حتى لا تُعَلَّق العدالة في بعضِ الوقائعِ بسببِ هذا الفراغِ، مع إضافاتٍ في الاختصاصِ شملها نظامُ السلطةِ القضائيةِ، حيث تختصُّ المحكمةُ العليا بمبادئَ عامةٍ استقرَّ عليها قضاؤها بحكمِ مفهومها العدلي في جميعِ دولِ العالمِ، يضافُ لذلك تفاصيلُ أخرى بحكمِ الخصائصِ التفصيليةِ لكل دولةٍ ـ المعبر عنها بالفلسفةِ القضائيةِ ـ بشرط ألا تؤثر على تلك المبادئ، فلا يسوغ مثلاً أن يناطَ بهذه المحكمةِ اختصاص الترافعِ من خلالِ حضورِ الخصومِ أمامَها (كما يكونُ في المحاكمِ الابتدائيةِ والاستئنافيةِ) خارج نطاقِ استدعاءِ المحكمةِ العليا لهم عند الاقتضاءِ للاستيضاحِ لا للترافعِ .
 3ـ كما تضمنتْ التحديثاتُ إعادةَ ترتيبِ تبعيةِ بعضِ المحاكمِ، فالقضاءُ التجاريُّ كان في السابقِ تحتَ مظلةِ ديوانِ المظالمِ، نظراً لكونِ ولايةِ قضاءِ المظالمِ تسمحُ بدخولِ أيِّ اختصاصٍ قضائيٍّ فيها، لكنْ ارتأى المنظمُ السعوديّ في قانونِ السلطةِ القضائيةِ الأخيرِ أهميةَ أن يكونَ في إطارِ مظلةِ القضاءِ العامِّ تحتَ اسمِ المحاكمِ التجاريةِ؛ لتكون هذه المحاكمُ امتداداً للقضاءِ التجاريِّ التابعِ لقضاءِ المظالمِ، حيث امتدَّ هذا القضاءُ لدى الديوانِ أكثرَ من عقدينِ من الزمنِ وهو ينظرُ هذه المادةَ التجاريةَ في إطارِ تخصصها النوعيِّ، وكذلك القضاءُ العماليُّ، انتقل بموجبِ نظامِ السُّلطةِ الأخيرِ إلى القضاءِ العامِّ .
وجرى التأكيدُ على حرصِ المنظمِ على أنْ يتمَّ الفصلُ في جميعِ المنازعاتِ تحتَ مظلةِ القضاءِ الطَّبيعي، متفهماً متطلباتِ رغبة المنظمِ في قيامِ بعضِ اللجانِ المتخصصةِ بالتسويةِ بطابعٍ شبهِ قضائي، وهي لجانٌ تتمتعُ بنفسِ الضماناتِ القضائيةِ في سَيْرِ إجراءاتِها، وتتوافرُ في أعضائِها الإمكاناتُ العلميةُ والتأهيليةُ اللازمةُ لتسويةِ القضايا ذاتِ التخصصِّ النوعي، ومع ذلك فإنَّ النظامَ ينصُّ في أهمِّ هذه اللجانِ على أنها ما لم تنتهِ تسويتها إلى نتيجةٍ مُرضيةٍ للأطرافِ فيكون المرجعُ هو القضاء، فالقضاءُ وَفْقَ النظامِ الأساسي للحكمِ هو صاحبُ الولايةِ القضائيةِ بعموم، حيث تقضي أحكامُ هذا النظامِ بأنَّ المحاكمَ تختصُّ بالفصلِ في جميعِ المنازعاتِ والجرائمِ، لكن متى تمت التسويةُ وَفْقَ ترتيبِها النظامي كانت نافذةً، وهي أشبه كما قلنا بأنموذجِ التخصصِّ النوعي الدقيقِ (لا في إطاره القضائي بل في إطارِ التسويةِ بطابعها التوافقي) ولا عبرةَ بالتعنتِ والمكابرةِ من قبلِ أحدِ الخصومِ، وكثيراً ما تتمُّ التسويةُ في العديدِ من القوانينِ القضائيةِ قبلَ الوصولِ للقضاءِ من قبلِ أدواتٍ رسميةٍ، بل ويدخلُ في بعضها الادعاءُ العامُّ برضا المدعَى عليه بعقوبةٍ معينةٍ ليصادقَ عليها القضاءُ لاحقاً دون نظره في وقائعِها، لنخلص من هذا بأنَّ ما أُشيرَ إليه يمثل مبدأ لا ننفرد به وإن اختلفنا في التفاصيلِ والقناعاتِ حيال مناسبة بعضها والتوسع فيه من عدمه، لكن ما يهمنا أن له نظائرَ من حيث المبدأ العامِّ في غالبِ دولِ العالمِ.
وأشرنا إلى موضُوعِ بدائلِ فضِّ المُنازعاتِ، وقلنا: إننا نشجّعُ الأخذَ بمفهومِ:
" القضاءِ البديلِ " للتخفيفِ على المحاكمِ من جهةٍ، ولتسهيلِ الإجراءاتِ على المتقاضينَ من جهةٍ أخرى، ولحفظِ العلاقةِ بينهما في إطارها التصالحي من جهةٍ ثالثةٍ قدرَ الإمكانِ، وقد صاحبَ هذا التشجيعَ خطواتٌ عمليةٌ من وزارةِ العدلِ حيث أعددنا مشروعاً مقترحاً لنظامِ المصالحةِ والتوفيقِ، كما أنشأت الوزارةُ ـ في ذاتِ الوقتِ ـ مكاتبَ صلحٍ تطوعيةً في المحاكمِ، وحققت نتائجَ فاقت التوقعاتِ، كما أقامت الوزارةُ ملتقى دولياً حشدت له العديدَ من الخبراءِ من الداخلِ والخارجِ.
كما جرى الحديثُ عن موضوعِ  التحكيمِ وقلنا : إنه عنصرٌ مهمٌ في إنهاءِ القضايا، ويتميزُ بخصائصَ عديدةٍ منها : الإرادة الحرة في اختيارِ المحكمين،والمحافظة - إلى حدٍّ لا بأس به - على سريةِ وخصوصيةِ المنازعةِ في إطارٍ محدودٍ، وسرعة الفصلِ في القضايا، لكن تعيبه مشكلةٌ عالميةٌ تتعلقُ بتكاليفه الباهظةِ، وتَدَخُّل الجهاتِ القضائيةِ في بعضِ الدولِ في الجانبِ الموضوعي من العمليةِ التحكيميةِ مما يطيلُ من الإجراءاتِ ويفرغ التحكيم من محتواه .
وذكرنا أنَّ التحكيمَ في المملكةِ يحكمه نظامٌ ، يجري حالياً تعديله وَفْقَ مشروعٍ جديدٍ يتوقع أن يصدرَ قريباً، متضمناً تحديثاتٍ شاملةً للنظامِ، من أهمها مساواة حكمِ المحكمين بالحكمِ الابتدائي من حيث الدرجة، بحيث يتمُّ الاعتراضُ عليه أمامَ محكمةِ الاستئنافِ مباشرةً ، مشيرين إلى أنَّ عقدَ التحكيمِ يجمعُ بين الصلحِ من حيث اختيار وسيلةِ التحكيمِ لفضِّ النزاعِ، والقضاء من حيث الإلزام بحكمِ المحكمِ . 
وتابعنا القول بأنه يدخلُ في هذا الموضوعِ الأحكامُ الصادرةُ من محاكمَ أجنبيةٍ والتي يُطلب من المملكة تنفيذها على أراضيها، مؤكدين لهم أنَّ القضاءَ السعودي لا يتدخل في الموضوعِ ويهمه عدم مخالفةِ النظامِ العامِّ.
كما أوضحنا في معرضِ استطرادنا عن البَدائلِ الجزائيةِ أنَّ القضاءَ السُّعودي يحتفي كثيراً بالعُقوباتِ البديلةِ؛ لإيمانه بأنَّ المقصودَ ليس مجرد إيذاءِ المُدانِ أو تقييدِ حريتِه فحسب، بعيداً عن إصلاحِه، وإعادةِ تأهيله ما أمكن ذلك، ومن هذا المنطلقِ جاءت فكرةُ العقوباتِ البديلةِ، على أنه عندما يضطرُّ القضاءُ إلى عقوبةِ تقييدِ الحريةِ لاعتباراتٍ وجيهةٍ فإنَّ الدولةَ تتكفلُ بأسرةِ السجينِ متى كانتْ محتاجة، وقد أنفقتْ الدولةُ مئاتِ الملايينَ من الريالاتِ على أُسَرِ السجناءِ.
وبيَّنَّا أنَّ أحكاماً عدةً صدرت في قضايا جَزائيةٍ بعُقوباتٍ بَديلةٍ تحملُ في طيَّاتها مضامين إصلاحية للمدانِ، وذلك فيما يمكنُ الحكمُ فيه بهذه البدائلِ حسب كل واقعةٍ، وقلنا بأنَّ أكثرَ الأحكامِ البديلةِ تتركز على إلزامِ المدانِ في جرائمَ جزائيةٍ بتقديمِ خدماتٍ اجتماعيةٍ وخدماتٍ عامةٍ.
وفي شأنِ حمايةِ الحقوقِ والحرياتِ أوضحنا أنَّ القضاءَ السعودي هو حارسُ المشروعيةِ وحامي الحقوقِ والحرياتِ، التي ضمنتها أحكام الشريعةِ الإسلاميةِ، وأنظمة الدولةِ، وقلنا : "نقصد بالحريةِ هنا الحريةَ المنضبطةَ والمسؤولةَ، وهي الحريةُ التي تحترمُ النظامَ العامَّ للدولةِ، ولا تتجاوز المفهومَ الصحيحَ لمعنى الحريةِ، لأننا يجب أن نفرقَ بين الحريةِ والفوضى، وبين الحريةِ والإخلالِ بالنظامِ العامِّ، كما قلنا بأنَّ الحُريةَ المسؤولةَ منحةٌ من اللهِ تعالى يُولد عليها الإنسان، وقد كفلها بضوابطِها دستورنا ووثائقنا الدستورية، ليس لأحدٍ فضلٌ ولا منةٌ فيها، وأنَّ الدولةَ بقضائِها ومؤسساتِها العامة والخاصة تضطلع بحمايتِها ".
وفي شأنِ حمايةِ حقوقِ الإنسانِ في (منظورِ عدالتنا) بيَّنا: أنَّ عدالةَ المملكةِ تحتفي بكل المعاني الأخلاقيةِ والإنسانيةِ الرفيعةِ، التي ترعى وتحمي حقوقَ الإنسانِ، وتعتبرها من أثمنِ القيمِ في إطارِ الضماناتِ التي أكدتْ عليها الشريعةُ الإسلاميةُ وأنظمةُ الدولةِ، وأنَّ اللهَ تعالى كرم الإنسانَ على غيره، ولا مجالَ للإساءةِ لهذه الكرامةِ الإلهيةِ، ولن يسئَ للإنسانِ أحدٌ مثلما يسيء هو لنفسه، وأضفنا: بأنَّ المملكةَ تولي حقوقَ الإنسانِ الاهتمامَ البالغَ وتسعى بالأدواتِ المتاحةِ إلى نشرِ ثقافةِ حقوقِ الإنسانِ وإيجادِ آلياتِ الحمايةِ الوطنيةِ (حكومية وأهلية)، وأنَّ الإعلانَ العالمي لحقوقِ الإنسانِ مسبوقٌ بتشريعاتٍ إسلاميةٍ تحقق أسمى وأشمل الأهداف الإنسانية، وقد جاءت هذه القيم الخالدة قبلَ أكثر من أربعةِ عشر قرناً حيث يعتبر الإسلامُ أنَّ حفظَ كرامةِ الإنسانِ وحقوقِهِ من أهمِّ المبادئ والقيمِ والمشتركاتِ الإنسانيةِ .
وذكرنا أنَّ المملكةَ أنشأتْ هيئةً حكوميةً لحقوقِ الإنسان، وهيئةً أخرى أهليةً هي الجمعيةُ الوطنيةُ لحقوقِ الإنسانِ، ولكل منهما دورٌ كبيرٌ في هذا المجالِ، واستعراضٌ وتقييمٌ دوري لوضعِ حقوقِ الإنسانِ على أرضِ المملكةِ، وتواصلٌ إيجابي مع المنظماتِ والهيئاتِ الدوليةِ، علاوة على تواصلها الداخلي مع كافةِ قطاعاتِ الدولة في سبيلِ قيامِها بواجبها، ونحن نتعاون معهما فيما يخدمُ العدالةَ، وفي هذا السياقِ أُنشئتْ في وزارةِ العدلِ إدارةٌ لحقوقِ الإنسانِ، معنية بالموضوعاتِ والبحوثِ ذاتِ العلاقةِ، وإجراء الاستطلاعِ والتنسيقِ، والتواصل اللازم في هذا الموضوعِ.
وفي ذاتِ السياقِ أكدنا على أنَّ المملكةَ انضمت إلى العديدِ من المعاهداتِ والاتفاقياتِ الدوليةِ ومنها اتفاقية القضاءِ على جميعِ أشكالِ التمييزِ ضد المرأةِ بما أبديناهُ من تحفظٍ يتعلقُ بعدمِ تقاطعِ بعضِ موادِّها مع أحكامِ دستورِنا، وهو تحفظٌ لا يُخِلُّ من وجهةِ نظرِنا بجوهرِ الاتفاقيةِ، والتحفظُ أسلوبٌ سائغٌ ومعمولٌ به في القانونِ الدولي، على أنه في هذه الاتفاقيةِ تحديداً جرى التحفظُ على بعضِ موادها من قبلِ عددٍ من الدولِ.
مؤكدينَ في هذا الصددِ بأنَّ المرأةَ السعوديةَ تمارسُ دورَها المشروعَ في الإطارِ النظامي للدولةِ، وللمرأةِ دورٌ كبيرٌ في التنميةِ الوطنيةِ، وإسهامٌ بارزٌ في المسيرةِ الحضاريَّةِ في سياقِ احترامِ خصوصيتِها التي تُضفِي عليها المزيدَ من الإيجابيةِ، ولن يستطيعَ أحدٌ المساسَ بحقوقِها الشرعيةِ، والقضاءُ أكبرُ ضمانةٍ لحمايةِ هذه الحقوقِ، وكلُّ هذا كما قلنا في إطارِ النظامِ العامِّ للدولةِ، وَفْقَ ما استقرت عليه القيمُ السلوكيةُ للمجتمعِ السعودي، على أساسِ التعاليمِ الدينيةِ التي رتبت هذا الشأنَ في إطارٍ مرنٍ وسلسٍ ومتجانسٍ تماماً مع الأفقِ العصري.
وسندُ هذا القولِ ما وصلت إليه المرأةُ السعوديةُ من تفوقٍ وحضورٍ دولي متميّزٍ، ولاسيما في الجوانبِ العلميةِ، فضلاً عن حضورِها الإيجابي والمؤثرِ في مجتمعِها المدني المتحضرِ، وقلنا لهم: بأنه من حقِنا أن تُحترمَ نظرياتُنا الاجتماعيةُ وفلسفاتنا الأخلاقيةُ المنبثقةُ أساساً عن دستورِنا وَفْقَ مفهومِنا للنصِّ الإسلامي المنسجمِ تماماً مع عصرِه، كما تُحترم وتُقدَّر فلسفاتُ ونظرياتُ الغيرِ، ويكفي أنَّ خصوصيّةَ كُلِّ بلدٍ في هذا وغيرِه إنما تعبرُ في الحقيقةِ عن الإرادةِ والرغبةِ الوطنيةِ التي يجبُ احترامُ توجهِها وقناعتِها، فهي تترجمُ وجدانَه وعقيدتَه التي يؤمنُ بها، والمعولُ عليه في هذا وغيرِه رأيُ المجموعةِ الوطنيةِ، وبيَّنَّا لهم بأنَّ المملكةَ تمتلكُ أدواتٍ وطنيةً للتعبيرِ عن الإرادةِ الوطنيةِ، بدءاً من سياسةِ الأبوابِ المفتوحةِ لكافةِ أجهزةِ الدولةِ وفي طليعتِها قيادةُ الدولةِ، ومروراً بالإعلامِ المفتوحِ والحرِّ لإبداءِ الرأي، فضلاً عن نبضِ الإعلامِ الإلكتروني والفضائي الذي يترجمُ هذه الرغباتِ وهو مثلُ سابقِه متاحٌ لكلِّ متابعٍ وراصدٍ حقوقي، وانتهاء بالفعالياتِ المدنيةِ الأخرى وفي طليعتِها ملتقياتُ الحوارِ الوطني عبرَ عملِه المؤسسي حيث أقامت الدولةُ مركزاً خاصاً بذلك له كيانه المستقل، وبيَّنَّا بأنَّ المملكةَ تتميزُ بوجودِ نسيجٍ وطني متآلفٍ ومتجانسٍ تجمعُه عقيدةٌ وقناعاتٌ وتوجهاتٌ واحدةٌ، وأنه يزدادُ قوةً وتماسكاً في كلِّ منعطفِ أو ظرفٍ، وقد قوَّى قاعدتَه قوةُ معتقدِه حيث يؤمن بأنَّ توجهَه وولاءَه تُمليه عقيدةٌ ترتبطُ مباشرةً بالخالقِ جلَّ وعلا، ومتى كانت الأسسُ على هذه المتانةِ في قوةِ المرجعيةِ المختلفةِ تماماً عن التأثيراتِ أو المرجعياتِ الماديةِ أصبحتْ أقوى من أيِّ أساسٍ آخَرَ. ونكمل في العدد القادم إن شاء الله بقية ما بيناه في هذا المؤتمر، وبالله التوفيق.

                                                                 وزير العدل