كلمة الوزير
 
 

    تَنْظِيْمُ شُؤُوْنِ الفَتْوَى والحِسْبَةِ

الحَمْدُ للهِ وَحْدَهُ، وَالصَّلاةُ والسَّلامُ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ.
أَمَّا بَعْدُ:

      فَقَدْ سَرَتْ قَاْفِلَةُ الخَيْرِ عَلَى مَا أَرَادَ اللهُ لَهَا مِنَ التَّوْفِيقِ والتَّسْدِيْدِ، وَهُوَ مَا نَالَتْ مِنْهُ بِلادُنَا ـ بِحَمْدِ اللهِ ـ أَوْفَرَ الحَظِّ وَالنَّصِيبِ، تَمْضِيْ إِلَيْه بَيْنَ الخَوْفِ وَالرَّجَاءِ، وَمَا خَابَ عَبْدٌ خَافَ رَبَّهُ وَرَجَاهُ، وَإِنَّ مِنْ عَاجِلِ البُشْرَى مَا يَفْتَحُ اللهُ عَلَى وُلاةِ الأَمْرِ مِنَ القَوْلِ السَّدَيدِ، والهَدْيِ الرَّشِيدِ، لِتَحْقِيقِ صَالِحِ البِلادِ وَالعِبَادِ.
     وَحَدِيْثُنَا فِيْ هَذه الافْتِتَاحِيَّةِ عَنْ عَمَلٍ مَيْمُوْنٍ مِنْ أجَلِّ الأَعْمَالِ التي هُدِيَ إِلَيْهَا خَادِمُ الحَرَمَيْنِ الشَّرِيْفَيْنِ المَلِكُ عَبْدُ اللهِ بنُ عَبْدِ العَزِيزِ ـ حَفِظَهُ اللهُ ـ فقْد قَضَى أَمْرُهُ المُوَفّقُ ذُو الرَّقْمِ: 13876/ب المُؤرَّخُ في 2/9/1431هـ بـ:"تَنْظِيمِ شُؤُونِ الفَتْوَى وَالحِسْبَةِ"، وَبَيْنَ يَدَيْهِ دِيْبَاجَةٌ حَافِلَةٌ بِنُصُوْصِ الشَّرِيعَةِ وَدِلالاتِهِا القَطْعِيَّةِ، أَصَّلَتْ ـ بِبَرَاعَةِ اسْتِهْلالِهَا ـ مُنْطَلَقَهُ، وَأَسَّسَتْ مَنْطُوقَهُ، وَكَشَفَتْ عَنْ مُسْتَوَى: "الحُضُورِ الشَّرْعِيِّ"، وَسُرْعَةِ "الجَاهِزِيَّةِ" لَدَى وَلِيِّ الأَمْرِ ـ أَيَّدَهُ اللهُ ـ، مع التَّمَيُّزِ فِيْ تدابير الأُسْلوْبِ الحَكِيمِ ، وَاخْتِيَارِ وَقْتِهِ الأَنْسَبِ، وَمَدَارُ هَذَا كُلِّهِ عَلَى قَاعِدَةِ الشَّرِيعَةِ فِيْ: "التَّرْجِيحِ بَيْنَ المَصَالِحِ وَالمَفَاسِدِ"، وَفِقْهِ: "المُوَازَنَاتِ" و" المَآلاتِ"، وَدَرْكِ:" المَقَاصِدِ" فِيْ نِطَاقِ الاسْتِصْلاحِ المُعْتَبَرِ، لا المُرْسَلِ فَحَسْبُ؛ إِذْ حِمَايَةُ الأُمَّةِ مِنْ فَوْضَى الفَتَاوَى وَشَتَاتِهَا وَانْتِحَالِ أَهْلِيِّتِهَا، وَتَعَدُّدِ الجِهَاتِ الآمِرَةِ فِيْ شَأْنِ الاحْتِسَابِ، عَبْرَ اجْتِهَادَاتٍ تُحْسَبُ ـ فِيْ مَسَارِهَا السَّلْبِيِّ ـ بالمِئِيْنَ، أمرٌ يتعيّنُ (شَرْعَاً وَعَقْلاً) حَزْمُهُ وَحَسْمُهُ؛ رِعَايَةً لِمَصْلَحَةِ البِلادِ وَالعِبَادِ.
     وَهَذَا المَعْنَى بِعُمْقِهِ الشَّرْعِيِّ، وَمَدْلُولِهِ المَقَاصِدِيّ، كَانَ مُتَجَلِّياً بِوُضُوح فِيْ  نَصِّ الأَمْرِ المَلَكِيِّ، الذّيِ جَاءَ فِيْهِ:" فَشَأْنٌ يَتَعَلَّقُ بِدِينِنا، وَوَطَنِنِا، وَأَمْنِنِا، وَسُمْعَةِ عُلَمَائِنَا، وَمُؤَسّسَاتِنِا الشَّرْعِيَّةِ، التيْ هِيَ مَعْقِدُ اعْتِزَازِنَا وَاغْتِبَاطِنَا، لَنْ نَتَهَاوَنَ فِيْهِ، أَوْ نَتَقَاعَسَ عَنْهُ، دِيْنَاً نَدِيْنُ اللهَ بِهِ، وَمَسْؤوليّةً نَضْطَلِعُ بِهَا ـ إِنْ شَاءَ اللهُ ـ عَلَى الوَجْهِ الّذِيْ يُرْضِيهِ عَنَّا".
    وَلا أَضَرَّ عَلَى الأُمّةِ مِنْ كَثْرَةِ القِيلِ وَالقالِ، خلافاً لهَدْيِ الشَّريعَةِ وَسَمْتِهَا الرَّفيعِ، بطَرْحٍ فَجٍّ، في مضمارٍ مفتوحٍ لكلِّ مَنْ زكَّى نفسَه، فاقداً أفقَ العُقلاءِ، قَبْلَ فقْدِه أدواتِ العلماءِ.
    ولِهذا مِنَ المَفَاسدِ ما لا يَخْفَى، ويكْفي ما أحدثه مؤخراً من التَّطَاوُلِ على أهْلِ العلمِ، وانْتِحالِ وظيفتِهم، والسَّعْيِ لإسقاطِ هيبَتِهِمْ، بالسَّطْوِ الشَّائِنِ علَى مَوْقِعِ صَدَارتِهِمْ، والتَّشْكيكِ فيِ رُسُوخِهمْ وسَعةِ فُهُومِهمْ، والرَّكْضِ ـ في هذا المَدِّ المُتَناميْ ـ علَى وسائلِ الاتصالِ بأساليبَ لَمْ تُعْهَدْ، وتَهافُتٍ يَخْرجُ عنْ نِطَاقِ الحَصرِ والعَدِّ، تَعْجَبُ مِنْ نَشَاطِه، وصَوْلاتِه وجَوْلاتِه، ولن نَدْخُلَ في نِيِّاتِهمْ، فهذِه إلَى بارئِهِمْ العليمِ بذاتِ صُدُورِهمْ، لكنَّنا نَجِدُ لُهَاثاً يَرِيب، استنكَرَهُ كلُّ صادقٍ غَيُورٍ، وعلى إثْرِه صدَرَ عنْ أهْلِ العِلْمِ التَّحذيرُ والنَّكِيرُ، كما صدَرَ عنْ مؤسساتِهمُ العِلْميةِ مُناشَداتٌ، تَتَمنَّى ـ علَى مَنْ بَسَطَ اللهُ يدَهُ ـ التدخُّلَ ووَضْعَ حَدٍّ للفوضى العِلْميةِ التي استحالَتْ إلَى تَطَاولٍ علَى كِبارِ أهْلِ العِلمِ، وتَهَاتُرٍ وتُهَمٍ، وَهَمْزٍ وَلَمْزٍ، وتَصْنيفاتٍ فِكْريةٍ، وتَوْصيفاتٍ فِئَويَّةٍ، قاعِدَتُها الفِرْيَةُ، والنَّبْزُ المَشِيْنُ، وهو ما لا عَهْدَ لنا به، وإنَّما هوَ مِنَ الفِكْرِ الوافِدِ، تَلَقَّفَه كلُّ من ابْتُلِيَ بالشَّغْبِ العِلميِّ، وجَدَلِه العقيمِ، وقالَةِ السُّوءِ، والنَّفْخِ في الأقوالِ والآراءِ، وتَحْميلِها ما لا تَحْتَمِلُ، وعَرْضِها علَى ألْسِنَةٍ حِدَادٍ، لا تَرُدُّ الأمرَ إلَى أهْلِه، ولا تَرْعَى ـ في مدِّها المُتَواصِلِ ـ دِيناً، ولا خُلُقاً، ولا مَصْلَحةً، لا تَسْكنُ نُفُوْسُهُمْ حتَّى تَبْلُغَ مُنْتَهاها مِنْ مُرادِها، واللهُ حَسِيبُها فيه، وما جَنَتْ به على الأمَّةِ، يَتَوَلَّى كِبْرَ ذلكَ كلُّ مَنْ زكَّى نفسَه بآلةِ العِلمِ والتأهُّلِ للفَتْوَى، مُقْتَحماً بذلك خَطَرَها، مُتَصَدَِّراً علَى أهلِها؛ وحُجَّتُه أنَّه بلَغَ مَبْلَغَها، ويَتَأثَّمُ مَنْ كَتَمَ عِلْمَها، وهوَ يعلَمُ أنَّ الفَرْضَ كِفائيٌّ، وأنَّ فَتاوَى أهْلِ العِلمِ لمْ تَنقطِعْ، ولم يَخْلُ الناسُ يوماً مِنْ وُجُودِ مُفْتٍ ارتضاه وليُّ الأمرِ؛ بتَوَافُرِ آلةِ الفُتْيا ومُؤَهِّلاتِها فيه، وتَزْكيةِ مرجِعِها، فضلاً عن أنَّ الفتاوَى الخاصَّةَ ـ فيما بين المُسْتفتيْ والمُفْتيْ ـ لا مَنْعَ منها لِمَنْ كان أهلاً لها، وكلّ هذا أَوْضَحَه ـ تفصيلاً ـ الأمرُ الملَكِيُّ المُنَوَّهُ عنه.
     ومِثْلُه تَخَطِّي جهازِ الحِسبةِ، وهو ما اعتنَتْ به الدَّوْلةُ، رجالاً ومالاً وتنظيماً وتمكيناً-، حتَّى صار مَحَلَّ اعتزازِها وتَعاهُدِها، وأَضحَى علامةً فارقةً في جَبينِها، يُتَرْجِمُ – مع غيرِه – هُوُيَّتَها وخصوصيتَها.
لكنْ مِنَ الناسِ مَنْ يُجادلُ – مُكابِراً – في تسْويغِ مُزَاحمتِه لمؤسَّسَتَي: (الفتوى، والحسبة)، فيسْرُدُ نصوصاً يتكلَّفُ في استدلالاتِها، وفي إزائها نصوصٌ أخرَى أقوَى في الثُّبوتِ، وأقْطَعُ في الدِّلالةِ، لكنَّها لا تُساقُ؛ تطفيفاً أو جَهلاً، ومِنْ بينِها نصوصُ أهلِ العِلْمِ، فتَجِدُ للعالِمِ الرّبَّاني تنظيراً وتطبيقاً على هَدْيِ الكتابِ والسنةِ، لكنَّه يَختلِفُ مِنْ حالٍ إلى حالٍ، ومن مَوْرِدٍ إلى مَوْرِدٍ، كما يَختلِفُ فَهْمُ النَّصِّ، وتَوْصيفُ التطبيق، بَلْهَ نصوصاً أخرَى لِغيرِه منْ أهْلِ العِلْمِ تُخالِفُ قوْلَه وفعْلَه، وذلك ما يستدعي النَّظَرَ والتحقُّقَ، فيأخذُ المُجْتزِئ مقصودَه مِنَ المَجموعِ، ويُفسِّرُهُ ويُنْزِلُه على مُرَادِه، ويدَعُ ما سِواه، وكأنَّ الأمَّةَ أطبقَتْ علَى ما ساقَ واكتفَى، وفي هذا مِنَ التَّلبيسِ والتَّدليسِ مالا يَخفَى، ولا سِيَّما قِيَاسُ الصَّدْعِ بالحقِّ في مُوَاجهةِ مَنْ يُختلَفُ معَه في المُعْتَقَدِ علَى هذه المُناكَفاتِ.
ولا يَجمعُ كلاً – علَى صَعيدٍ واحدٍ – ويَدرسُ ويُحقِّقُ ويَنظرُ في نصوصِها، بتَجَرُّدٍ مِنْ فتنِ الدنيا، ونَزعاتِ النَّفْس، ونزَغاتِ الشيطانِ، وُصولاً إلى المُرادِ إلا طالبُ حقٍّ يتَّقي اللهَ، ويَعلمُ أنَّ هذا مِنَ الدينِ، فلا يُوْغِلُ فيه إلا برِفقٍ، وهذا المُرْتَقَى المُهْلِكُ لا يُخاطِرُ به، ويَخْطُرُ إليه إلا من فُتِنَ، حتَى توسَّعَ هذا الأمْرُ، وصارَ إلَى حالٍ لا تسُرُّ، فكلٌّ له رُؤيةٌ ورَايةٌ، وكتاباتٌ تَمتلِئُ لَغَطاً وشَغْباً تَنتَحِلُ شخصيةَ علماءِ المملكةِ، وهو ما أقلقَ وكدَّرَ كلَّ غَيُورٍ، وتولَّدَ عنه معَ مرورِ الوقتِ عنصرٌ غريبٌ رفضتْه سلَفِيةُ هذه البلادِ، وفِطْرةُ أهلِها، حتَّى استحالَ المشهدُ كما قِيلَ:
شعْوذَةٌ تخْطُرُ في حِجْلَينِ        وفتنةٌ تمشي علَى رِجلينِ
وعلَى إثْرِ هذا التداعيْ قيَّضَ اللهُ خادمَ الحرمينِ الشريفينِ بيقظتِهِ وغيرتِهِ علَى البلادِ والعبادِ، مسدَّداً- بتوفيق الله – بحضورٍ مستمرٍّ، وقراءةٍ واعيةٍ للمشهدِ، واستطلاعِ واقِعِه بكاملِ تفاصيلِهِ، مع استدعاءِ مَظَاهرِ الحَفاوةِ بأهلِ العِلْمِ والإيمانِ، وهُمْ مَنْ وصفَهم في أمْرِه الكريمِ بقوله: (حَمَلَةُ الشريعةِ وحُرَّاسُها)، مع استصحابِه –حفظَه اللهُ- لمسؤولياتِهِ القِياديَّةِ، واضْطِلاعِه بدَعْمِ مؤسسات الدَّولةِ الشرعِيَّةِ ورِعايتِها، والحِفاظِ علَى كِيانها وأدائها، وسُمْعةِ رجالها، وهُمْ مَنْ قامُوا بواجبِهِمْ في الفتْوَى والاحتسابِ علَى أكْملِ وجْهٍ، فانتهَى – أجزلَ اللهُ مثوبتَه- إلَى حَسْمِ مادَّةِ الشرِّ، وإعادةِ الأمورِ إلَى نِصابِها الصَّحيحِ، علَى جادَّةٍ سَوَاءٍ، سارَتْ عليها بلادُنا، ولا تزالُ – بحمدِ اللهِ-.
ولقُطَّاعِ الطَّريقِ، ومُجْتالي الخُلُق، ومُغيِّري الفِطَرِ أمَدٌ قريبٌ، وفَصِيلُهم مِنْ أبناءِ الجِلدةِ، كمُخْتَرِقِ الحِصْنِ مِنَ الداخِلِ؛ فهُمْ أبْلَغُ شَوْكةً، وَأشَدُّ نِكايةً مِنْ غَيْرِهِمْ، وَإنَّ اللهَ ليَزَغُ بالسلطانِ ما لا يَزَعُ بالقرآنِ، والحمدُ للهِ الذيْ هدَى وأرشدَ، ووفَّقَ وسدَّدَ.
وَلئِنْ ساغَ الإفتاء والاحتسابُ – في رأيِ بعضِ أهلِ العلمِ- معَ وجودِ ذوي الوِلاياتِ فإنَّ هذا (لَيْسَ قدَرَاً مَقْدُوْرَاً، وَنَصَّاً مَشرُوْعَاً) تقومُ عليه أعْمِدةُ الدِّينِ، لكنَّها اجتهاداتٌ مَحْكومةٌ بعمومِ النُّصوصِ التي جاءتْ بجَلْبِ المصالحِ ودرْءِ المَفاسدِ، وتفويتِ أدنَى المَصلَحتينِ لتحصيلِ أعلاهما، علَى أنَّ تنظيمَ وليِّ الأمرِ لمْ يمنعْ إلا ما كان عاماً، فما بالُ مَنْ يخشَى التأثُّمَ مِنْ كتْمِ العلْمِ لا يرتضِي بذْلَه إلا مُشَهَّراً في الخافقَينِ؟! متنقِّلاً – في كَدٍّ وَكَبَدٍ- مِنْ وسيلةٍ إلى أخْرى، وقد عُوْفيَ، وبرِئتْ ذمَّتُه، وهوَ فيما بينَ ذلك مُزَكٍّ نفسَه، مُغْتَرٌّ بعلمِهِ وقِلةِ فقهِه، وتلك الاجتهاداتُ إنّما تَدورُ رَحاها علَى شُبُهاتٍ واهياتٍ، تأبَى إلا أنْ تُسْفِرَ عنْ مَقاصدِ أصحابِها، ودِينُ اللهِ لا شِرْكَ فيه لأحَدٍ، ولا لِحَظِّ النَّفْس، ومن خادعَ اللهَ خُدع وخُذِلَ.
ومِنْ عُلَمائنا الكِبَارِ وأعمدةِ الفَتْوَى مَنْ قرَّرَ هذه المسألةَ، حتَّى قال فيها: (لو أُمِرْنا بالسُّكوتِ ولُزومِ البيوتِ لفعلْنا)، والجَدَلُ متى صاحَبَه الهوَى لا يُقْصِرُ رافِعُ رايتِهِ ولا يَني، بل هوَ في مَدٍّ وتجدُّدٍ لا ينتهي، ولا يحسِمُ مادةَ شرِّه إلا أمْرٌ سُلطانيٌّ يحفَظُ البيضةَ، ويرعَى مصلحةَ البلادِ والعبادِ.
ومن تأمَّلَ سِياقَ ومنطوقَ الأمرِ الملَكِيِّ وقفَ علَى البَاعِثِ والمقتضِي، وما يَحْمِلُه وليُّ الأمرِ – أيَُّده الله- مِنْ إحساسٍ بالمسؤوليةِ، وإدراكٍ لجَسَامةِ الخَطْبِ، وما في المَثانيْ مِنْ مُسْتَصغَرِ الشَّرَرِ، وإشاراتِ الإنذارِ المبكِّر، والكيِّسُ الفطِنُ يستقرئُ التاريخَ ويتَّعِظُ به، وهو ما فعلَه خادمُ الحرمينِ الشريفينِ في ساعةِ الحسْمِ وتوقيتِها المُناسِبِ، مُقدِّراً في ذلك المَصالحَ والمَفاسدَ، تاركاً الأمرَ في سابقِ عهدِه على ما مضَتْ به الحالُ حيثُ استقامتْ ولم تَخْرُجْ عنْ حدِّها المعقولِ، استهداءً بما واصلَ البعضُ في الاستدلالِ به، بالرغمِ منَ التحوُّلِ السَّلبيِّ لهذا الأمرِ، وما أحسنَ تحريرَ مسائلِ العلمِ، والأناةَ في القولِ والعملِ، وَوَضْعَ الأُمُور في مَوَاضِعِهَا، وَهُوَ حَدُّ الحِكْمَةِ.
وإذا صفَتِ النفوسُ، وخَلُصَتْ من الدَّخيلِ والتكلُّفِ والمُغالطةِ، وسُلكتْ جادَّةُ أهلِ العلمِ والإيمانِ في التحرِّيْ والبيانِ: (سبراً وتقسيماً، وجمعاً وتفريقاً) ارتفعتْ غالبُ مسائلِ الخلافِ، ودِينُ اللهِ وسطٌ بينَ الغاليْ فيه والجافيْ عنه، وما كان الرفقُ في شيءٍ إلا زانَه، وما نُزِعَ من شيءٍ إلا شانَه.
ولبعضِهم – في ثانيْ حالِهم- أفعالٌ تنقُضُ أقوالَهم، حتَّى إنَّك لَتَشُكُّ في نسبتِها إليهم، أو أنَّهم جُوْعِلُوا عليها، أو صانَعُوا بها، أو ركَضُوا إليها لفِتَنِ الدنيا، وهو أبْعَدُ الظَّنِّ بِهم علَى ما نحسبُهم، واللهُ حسيبُنا وحسيبُهم، ولا نُزَكِّي علَى اللهِ أحداً.
ولا تسَلْ عنْ عَسْفِ النُّصوصِ، وتَهْوينِها في النفوسِ، وإذابةِ الدِّينِ بالمرجوحِ والمهجورِ، بما هوَ أشَدُّ مِنْ تتبُّعِ (الرخصِ) و(التلفيقِ) بينَ المَذاهبِ، حتَّى لا تكادُ تبقى ـ بفعلِ التكلفِ، والتوسع، وتحميلِ نصوص الشريعةِ وأقوالِ أهلِ العلمِ ما لا تحتملُ ـ (فضيلةٌ)، و(لا كبيرةٌ)، وهوَ ما ألْمحَ إليهِ الأمرُ الملَكيُّ بقوله: (علَى أنْ يُمْنَعَ منعاً باتاً التطرقُ لأيِّ موضوع يدخلُ في مَشْمُولِ: شَواذِّ الآراءِ، ومفرداتِ أهلِ العلمِ المرجوحةِ، وأقوالِهم المهجورةِ).
وفي الأيامِ الخواليْ أقيمتْ سُرادِقاتٌ ومضاميرُ للإفتاء والاحتِسَابِ، تسابقتْ فيه المَحطاتُ الفضائيةُ ومواقعُ الإنترنتِّ ومجموعاتُها البريديةُ، والصحفُ السائرةُ، مُشرِعةً المِصْراعَيِنِ، دونَ شرطٍ للدخيلِ، أو قيدٍ علَى النزيلِ، يُسْمعُ فيها مِنْ: (طرَفَي النَّقيضِ) ما لا يخْطُرُ على بالٍ، ولا يدورُ في خَيَالٍ، وبَلْهَ مُطَاوَلتَها لمؤسساتِ الدولةِ المعْنِيَّةِ التي زكَّاها الجميعُ وكفَتْهمُ المَؤونةَ،وَقَدْ جَمَعَتْ تلك المضامير ألوانَ الطَّيْفِ: من:  "مُتَعَالمٍ وَغَاْفِلٍ"، و"مُغرِضٍ وجاهلٍ"، و"متصدرٍ ومُتَطاولٍ"، و" مستأجَرٍ مغلوبٍ على رُشْده، يستمع إلى جديد فتاواه، وبياناتِ احتسابِه مثلَ غيره، تَمَنْدَلَ به كُلُّ مُغْرِضٍ وَمُرْجِفٍ". 
وتبعاً لهذا كثُرتِ الجلَبَةُ واللَّغَطُ باسْمِ الدينِ، حتى ترَقَّى هذا المُتَمَنْدَلُ به إلى الجُرْأةِ الفجَّةِ علَى تصنيفِ الناس بالمكفِّراتِ والمفسِّقاتِ، وفتاواه وبَياناتُه تُصبحُ على أمَّةٍ مِنَ الناسِ وتُمْسي علَى أخرَى، حتَّى عمَّ الأمرُ إلى نُذُرٍ وتوجُّساتٍ منْ متطلباتِ الدولةِ الحديثةِ، توصَفُ بالتعليبِ والتصديرِ، وتَلَقُّفِهَا بغيرِ وعيٍ ولا كِيَاسةٍ، في حينِ لم نرَ هذا فيها، بل رأينا ذلك المتوجِّسَ ـ مع تَوَالي الأيَّام ـ ينْعُمُ بما ساقَ اللهُ من خيرِها، مسارِعاً إلى الإفادةِ منها، بعدَ أنْ كانتْ في أمسٍ قَرِيْبٍ فاليةَ الأَفَاعيْ وثالثةَ الأثافيْ، وفي كونٍ آخَرَ: لم نرَها تُصَدَّر إلى دِيَارِ العَوَزِ والفَقْرِ، وأجِنْدَةُ الغزْوِ الفكريِّ، تنتهِزُ الضَّعْفَ والمَسْكَنَةَ، قَبْلَ النّعْمَةِ وَحَوَاجِزِ الحَصَانَةِ والمَنَعَةِ.
      وغالبُ الأطروحاتِ تنسجِمُ معَ مَقَالاتٍ وَعِبَارَاتٍ يَكثُرُ تداوُلُها، والنفخُ فيها على مرِّ السِّنينَ، تجريْ مُنْسابةً معَ التَّكرارِ والدُّرْبةِ على ألْسِنةِ مَنْ لا يُحسِنُ غيرَها، ومَنْ يتصدَّرُ علَى نكدِها، في سباقٍ محمومٍ، وسِجالٍ عقيمٍ.
     مع يقينِنا بأنَّ عُلَماءَنا الأفاضلَ فتحوا قلوبَهم المخلِصةَ، وجرَّدوا أقلامَهم الصادقةَ؛ فأخذُو بأيديْ إخوانِهم إلى خيرِ مَحْضِنٍ، فنفعَ اللهُ بهم الإسلامَ والمسلمينَ، ولا غَرْوَ؛ فهُمْ ريحانةُ الأمةِ وَحِبُّها وَإِلْفُهَا، ولا يعني هذا عدمَ اليقظةِ والحذرِ؛ فالمؤمنُ كيِّسٌ فطِنُ.
يقولُ ابنُ قيمِ الجوزيةِ – رحمَه اللهُ- في (الإعلام):
(وقدْ رأى رجلٌ ربيعةَ بنَ أبي عبدِ الرحمنِ يبكيْ، فقال: ما يبكيكَ؟ فقال: اُستُفتي مَنْ لا عِلمَ له، وظهرَ في الإسلامِ أمرٌ عظيمٌ، قال: ولَبعضُ مَنْ يُفتي ههنا أحَقُّ بالسَّجنِ مِنَ السُّرَّاقِ، قال بعضُ العلماءِ: فكيفَ لو رأى ربيعةُ زمانَنا، وإقدامَ مَنْ لا علمَ عندَه على الفُتيا، وتوثُّبَه عليها، ومدَّه باعَ التكلفِ إليها، وتسلُّقَه بالجهلِ والجُرْأةِ عليها، معَ قِلةِ الخِبرةِ وسوءِ السِّيرةِ وشُؤْم السريرةِ؟ وهوَ مِنْ بينِ أهلِ العلمِ منكَرٌ أو غريبٌ، فليسَ له في معرفةِ الكتابِ والسنةِ وآثارِ السلفِ نصيبٌ، ولا يُبدي جَواباً بإحسانٍ، وإنْ ساعَدَ القدَرُ فتواه كذلك، يقولُ فلانُ بنُ فلانٍ
يَمُدُّونَ للإفتاءِ باعاً قصيرةً      وأكثَرُهمْ عندَ الفتاوَى يكذلك  ) انتهى
هـــــذا:
وقدْ تلَقَّى الأمرَ الملَكيَّ أهلُ العلمِ والرأيِ السديدِ (في الداخلِ والخارجِ)، وعدُّوه في شَمَائلِ خَادِمِِ الحَرَمينِ الشَّريفين، شَاهِدَاً مِنْ شواهدِ غَيرتِه على ديِنه وأمَّتِه ووطنِه، ودليلاً على حَفاوتِهِ بأهلِ العِلْمِ والإيمانِ، وأنَّه – بحمدِ اللهِ- بلغَ بهذا القرارِ الموفَّقِ مَرْمَىً، وأصاب محَزَّاً وغرَضاً، فجمعَ اللهُ به الكلمةَ، وحفِظَ العلمَ، وأكرمَ أهلَه، والعائدُ في هذا كلِّه لا يعْدُو مصلحةَ البلادِ والعبادِ.
ولا يفوتُ أنَّ هذه البلادَ المبارَكةَ قِبلةُ المسلمينَ، ومَهْوَى أفئدتِهم – رُعاةً ورعية- ومِثْلُ هذا الأمرِ له أثرُه في نفوسِ جميعِ المسلمينَ، وإنْ كانَ نفاذُه مقصوراً علَى رُسومِ السِّيادةِ، لكنْ ما يصْدُرُ مِنْ هذه الديارِ يبلُغُ الآفاقَ، والناسُ في شأنِ الدِّينِ تبعٌ لها، ومن خالفَ خُولِف بما لا يسَعُه إلا التَّسليمُ به، كيومِ الحجِّ الأكبرِ وغيرِه، والحمدُ للهِ على ما تفضَّلَ وأنعمَ، وأعانَ ولاةَ أمرِنا علَى مُواصلةِ ما شرَّفَهم اللهُ به من خدمةِ الدينِ، والنُّهوضِ بمسؤوليتهِ الجليلةِ وأمانتِه العظيمةِ.
ولا أعظمَ مِنَ الخوضِ في مسائلِ الحلالِ والحرامِ، ومُنازعةِ الأمرِ أهلَه، والتشكيكِ فيِ أداءِ إخوانِهم رجالِ الحِسبةِ، لا في قيامِهِمْ بمسؤولياتِهِم فحسبُ، بل في التَّوجُّسِ والتَّوجُّلِ مِنْ إحاطتهِم بما يجبُ التبليغُ عنه، ثم الانفرادِ بمباشرةِ الاحتسابِ خاليَ الوِفاضِ مِنَ التفويضِ، والرأيِ الرشيدِ، في زمنٍ لا يُقيمُ وزناً إلا لمُؤسَّساتِ: مُجْتَمعِه المدَنيِّ المتحضِّر (في نطاقِ المصالحِ المرسلة)، وفي طَليعتِها مؤسَّساتُه الشرعيةُ، التيْ قامتْ – بحمدِ اللهِ – بالواجبِ الكِفائيِّ على أكملِ وجهٍ، ونصوصُ الشريعةِ لم تستنفِرْ في هذا الأمرِ جميعَ الأمةِ، بل استنهضَتْ بعضَها، ومن تأثَّمَ بعدَ ذلك فهو آثِمٌ، إذِ الإثْمُ حكمٌ شرعيٌّ، لا يثْبُتُ إلا بدليلٍ، فكيفَ والدليلُ على الضِّدِّ؟ والتقريرُ إنما هوَ في الشأنِ العامِّ لا الخاصِّ، ومؤسساتُ المجتمَعِ المدنيِّ الأهليّةُ لا تَكونُ باجتهاداتٍ فرديةٍ، وتَصاريحَ ذاتيةٍ، ومناشطَ عشْوائيةٍ، مطلَقَةَ العِنان، لا يحكمُها ترتيبٌ ولا نظامٌ.
     هذا: وأولُ ما يَغِيبُ عن أولئكَ فيْ غَمْرةِ شهوةِ التصدرِ، وتِيْهِ الشكوكِ، قاعدةُ: (تغيُّرِ الفتوَى بتغيُّرِ الأزمنةِ، والأمكنةِ، والأحوالِ، والعوائدِ)، وأنَّ الأمرَ بنشرِ العِلْمِ، والأمرَ بالمعروفِ والنهيَ عنِ المنكرِ، في ميزانٍ واحدٍ مع الأمرِ بالعدلِ، نصاً ودلالةً، فإذا ساغَ علَى المستَوَى الرسميِّ – للعموم- إيلاءُ النفسِ رُتْبَةَ الفَتْوَى ووِلايةَ الحِسبةِ، مع نهْيِ وليِّ الأمرِ إلا بولايةٍ أو إذن، فللمحتَسِبِ علَى العدالةِ بسْطُ ردائه في المَجامع، والحكمُ بينَ الناسِ، معلِّلاً بأنَّ الولايةَ العامةَ لا تَمنعُ الاحتسابَ الخاصَّ.
      والواحدُ منهم (في مَعَرَّةِ التعالُمِ، والاغترارِ والتطاوُلِ) يُنذِرُ بذَوَبانِ الأمَّةِ وهلاكِها، وهوَ أهْلَكُها – بإخبارِ مَنْ لا ينطِقُ عنِ الهوَى، صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ-، في نِذَاراتٍ مُتَعاقبةٍ من عِدَّةِ عقودٍ تَمُدُّ وتجْزُرُ، إنما تُخَوِّفُ – فيما يُظَنُّ من الأماراتِ والقرائنِ – منِ انفضاضِ الناسِ عنها، وتركِها إلَى مَنِ اضطلعَ بمسؤوليتِه الشرعيةِ في الإفتاءِ والاحتساب، عن وِلايةٍ مُسْتمَدَّةٍ مِنْ وليِّ الأمرِ، لا عن تزكيةِ نفسٍ، وتحريضِ جهلةٍ، وبضاعةٍ مُزْجاةٍ، إلا مِنْ حَمْلِ الفِقْهِ مُجرَّداً، وفي الحَدِيْثِ" نَضَّرَ اللهُ امْرَءاً سمِعَ منا حَدِيثَاً، فَحَفِظَهُ حتى يبلِّغَه غيرَه؛ فإنهُ رُبَّ حاملِ فقهٍ ليسَ بفقيهٍ، ورُبَّ حاملِ فقه إلى مَنْ هوَ أفقهُ منه ".
    وختاماً :
      فإن الأمرَ الملكيَّ جاءَ ـ بحمدِ اللهِ ـ في وقته، حاملاً في طيَّاتِه معانيَ مؤصَّلةً، ومضامينَ مسدَّدةً، ومنطِقاً (عَدْلاً)؛ لِيُدَوَّنَ بشرفٍ في سِجِلِّ خادمِ الحرمينِ الشريفينِ ضِمْنَ: (أعمالِه الجليلةِ)، و(صَنَائعِه العَدِيْدَةِ)، التَّي  تَتَوخَّى مصلحةَ البلادِ والعبادِ، ليقفَ هذا المُنجَزُ التاريخيُّ في مواجهةِ: (طرفَي النقيضِ) مِمَّنْ حاولَ الإساءةَ لسُمعتِنا العلميةِ وخُطَّتِنا المنهجيةِ، ولن نُرَاعَ بإذنِ اللهِ ما خلُصتِ النياتُ، وسارَتْ قافلةُ هذه البلادِ علَى ما تأسَّستْ عليه من قواعدَ راسخةٍ، تجلَّتْ فيها معاني النجاةِ والنَّصرةِ بإذنِ اللهِ. لا يضرُّها مَنْ خالفَها ولا مَنْ خذلَها، حتَّى يأتيَ أمرُ اللهِ.
 وقد رأيتُ مِنَ (الصِّدْقِ) في القولِ، و(العَدْلِ) في الحُكْمِ تسجيلَ هذه الكلماتِ، تعليقاً على مَعانٍ ضافياتٍ، حفَلَ بها الأمرُ الملَكيُّ الكريمُ، وَقَدْ تَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّنِا صدقاً وعدلاً، وهو المسؤولُ جَلَّ وَعَلا أنْ يسدِّدَ منا القولَ والعملَ، ويجعلَهُ نافعاً، ولوجهِهِ الكريمِ خالصاً.
   وباللهِ التوفيقُ، وصلَّى اللهُ على نبيِّنا محمدٍ وعلى آلِهِ وصحبِهِ وسلَّمَ.

          

                                                                                    وزير العدل