كلمة الوزير
 
 

 

فإن الله تعالى قد وضع هذه الشريعة الإسلامية ، شريعة دائمة ، مناسبة في أحكامها لكل عصر ، ومناسبتها لكل عصر من حيث كانت الأحكام فيها غير ملازمة للمحكوم عليه لزوما[ًذاتياً ، لا تنفك عنه ، إذ لو كانت كذلك لكانت قاصرة على أسباب النزول ، والمناسبات العينية ، لكن ذلك منافٍ لقصد الشارع من وضعها للتكليف بها . فنسيه الأحكام للأفعال نسبة إضافية ، مقيدة بأوصاف الفعل حال تعلق الحكم به ، فلو تبدلت تلك الأوصاف لزال عنه هذا الحكم ، وتعلق به حكم آخر ، وبذلك تكون هذه الشريعة مستجيبة لحاجة كل عصر ، وصالحة لكل زمان ومكان ، إذ الأصل أنها تتعلق بالمعاني والأوصاف ، فأينما حل الوصف حل معه الحكم ، أما الأفعال أو الأشخاص فظروف للأحكام والمعاني ، ولذا كان من القواعد الشرعية أن العبرة بالمعاني لا بالألفاظ والمباني .

          فأينما حلت المصلحة حل حكم الوجوب ، أو الندب ، أو الإباحة وأينما حلت المفسدة حل حكم التحريم ، أو الكراهية ، فالأمر يتبع المصلحة المحضة أو الراجحة ، والنهي يتبع المفسدة المحضة أو الراجحة ، وعند التساوي فدرء المفسدة مقدم على جلب المصلحة .

          فمن الأفعال أو التصرفات ما يكون مصلحة في زمن ، لكنه مفسدة في زمن آخر وما يحقق المصلحة في زمن لا يحققها في زمن آخر . وكيف تفسر هذا النتاج العلمي لسلف الأمة ، وخلفها في فقه فروع الشريعة في كل عصر تمر عليه هذه الشريعة ، فيسهم كلٌ باجتهاده في حمل دلالة نصوصها على وقائع عصره ، بل كان منهم من يوصف اجتهاده بالجديد والقديم .

          ونحن في عصرنا هذا نجتهد في تصور نوازل عصرنا ، ونجتهد في حمل دلالة نصوص شريعتنا على ما استجد لنا ، ويتبدل اجتهادنا تبعاً لتبدل المعاني والأوصاف التي تحملها الأفعال والتصرفات .

          وما يصدر من أحكام اجتهادية لوقائع عصرٍ ونوازله مضاف له لا يتعدى حكمه إلى غيره إذا لم يكن نظيراً له ، فيشترك معه في تحقيق مناطه لا بقياسه  عليه ، إذ لا يقاس على ما ثبت بالاجتهاد ، لا بالنص .

          وهكذا كان سلفنا القريب ممن اشترك معنا في مشهد بداية نوازل هذا العصر ، حيث كان من اجتهاداتهم الفقهية والقضائية بما هو منشئ لأحكامٍ لوقائع معاصرة ، لم تكن معهودة في تصورها ، فكان أن احتاجت إلى بيان دلالة الحكم الشرعي عليها باجتهاد لم يتقدم تحقيق مناطه .

          ومن لا يتابع وقائع عصره ويدرك ما استجد من التصرفات والأفعال ، ولم يتحرر في إدراكه ما يمكن استصحاب حكمه ، وما يعد استصحاب حكمه استصحاباً لحكم لموضع هو محلُ اتفاق على حكمٍ بخلافه ،فاجتهاده مخالف لمقتضى ما وضعت له الشريعة .

          وفق الله الجميع لما يحب ويرضى .

                                                                    وزير العدل