مجلة علمية محكمة تعنى بنشر البحوث و الدراسات القضائية المعاصرة - تصدر عن وزارة العدل بالمملكة العربية السعودية


 كلمة التحرير

 
 المقارنات التشريعية كتابات رائدة 4 في الأعداد السابقة ألقينا الضوء على مشاريع علمية، وكتابات رائدةٍ تكشف جانباً مهماً من نقاط الالتماس بين الشريعة الإسلامية والقوانين الوضعية، وتؤكد على أهمية المقارنة بينهما؛ إذ أن مقارنة القوانين بعضها ببعض في مختلف البلاد علم نشأ حديثا، وكانت له آثار في الأخذ والعطاء؛ والمقارنة بين الشريعة والقوانين ستكون لها ولا شك أعظم الفوائد، وأهمها إثبات ما عليه الشريعة من إحاطة وشمول وسعة لمواجهة الحوادث والأحداث، واستكمالاً لعرض أهم هذه المشاريع والكتابات، يبرز لنا كتابا، يعد مرجعا هاما، ومؤلفا شهيرا في هذا الحقل الذي أضحى الاتجاه السائد الآن في المؤلفات الشرعية والقانونية، هو الاتجاه المقارن بين الشريعة والقوانين الوضعية، ألا وهو كتاب " مصادر الحق في الفقه الإسلامي ـ دراسة مقارنة بالفقه الغربي" في ستة أجزاء، للدكتور القاضي المقنن عبدالرزاق السنهوري، الذي ألفه في الربع الأخير من حياته العلمية، والكتاب أصله مجموعة من المحاضرات التي ألقاها في خلال عدة سنوات، على طلبة قسم الدراسات القانونية بمعهد البحوث والدراسات العربية التابع لجامعة الدول العربية. وقد افتتح هذه الدراسة بتمهيد في صدر الجزء الأول، حدد فيه الموضوع، وبين أهميته، ورسم الخطة لبحثه، أهمها ما يأتي : ١- أنه يعالج موضوع (مصادر الحق ) في الفقه الإسلامي على أساليب الفقه الغربي، وقد رجع مستندا في أحكامه إلى أمهات كتب الفقه الإسلامي المعتمدة في المذاهب الفقهية، ونقل النصوص ذاتها كما وردت في تلك المصادر، وقام بتحليلها، والاستنباط منها، ومناقشة ما يدعوا إلى مناقشته،كما رجع عند الحاجة إلى مؤلفات الفقهاء المعاصرين، وبحوثهم، وكذلك في نواحي قليلة رجع إلى بعض المستشرقين ممن كتبوا في الفقه الإسلامي. ٢- أنه لم يكن همه في هذا البحث إخفاء مابين الفقه الإسلامي والفقه الغربي من فروق في الصنعة والأسلوب والتصوير، بل على النقيض من ذلك؛ فقد اعتنى بإبراز هذه الفروق حتى يحتفظ الفقه الإسلامي بطابعه الخاص، و لم يحاول في منهجه اصطناع التقريب بين الفقه الإسلامي والفقه الغربي على أسس موهومة أو خاطئة، إيماناً منه بأن الفقه الإسلامي نظام قانوني عظيم له صنعة يستقل بها، ويتميز عن سائر النظم القانونية في صياغته، وتقضي الدقة و الأمانة العلمية لدى السنهوري أن نحتفظ لهذا الفقه الإسلامي الجليل بمقوماته وطابعه، و تجدر الإشارة في هذه الجزئية إلى أنه انتقد منهج بعض الفقهاء المعاصرين في محاولتهم تقريب الفقه الإسلامي إلى الفقه الغربي، وأكد أن هذا الأسلوب لا يكسب الفقه الإسلامي قوة، بل لعله يبتعد به عن جانب الجدة والابتداع، وهو جانب للفقه الإسلامي منه حظ عظيم. ٣- بذل جهداً واسعاً لتحديد أسباب اتجاه الاجتهاد الفقهي في مراحله المتعاقبة حتى يتبين من وراء ذلك سير هذا الاجتهاد وتتابعه في تطوره إلى حيث يقف به آخر خطواته، ثم نظرَ إلى أين كان يصل لو أن هذا الاجتهاد الفقهي تابع تطوره؛ فإنه كان من الذين يرون بأن باب الاجتهاد قد أغلق منذ أمد طويل، وأنه لابد من فتحه حتى تعود الشريعة الإسلامية حية تستقي منها الدول العربية قوانينها. 4- قرن الفقه الإسلامي بمذاهبه المختلفة، مع القانون في موضع واحد، صياغة وحكما، وبين أوجه الشبه والاختلاف بينهما. والدراسة بشكل عام تميزت باختيار الموضوع "مصادر الحق"، وفي هذا يقول السنهوري " وينحصر البحث في الحقوق المالية ذات القيمة المالية وهي الحقوق الشخصية والحقوق العينية كما تسمى في لغة الفقه الغربي. والموضوع بهذا التحديد بالغ الأهمية فالتمييز بين الحق الشخصي والحق العيني تمييز جوهري في الفقه الغربي، بل هو بمثابة العمود الفقري في القوانين الغربية التي اشتقت من القانون الروماني، ومن أدق الموضوعات وأكثرها غموضاً في الفقه الغربي"؛ لذا حاول أن يعالجها في الفقه الإسلامي حيث وضع الفقه الإسلامي إلى جانب الفقه الغربي فيما هو هام وجوهري، وفيما هو دقيق وخفي. لذا فقد تناول الكلام على الحق الشخصي والحق العيني ومصادر كل منهما في الفقه الإسلامي، وتساءل وأبحر في البحث عن وجود حق شخصي وحق عيني في الفقه الإسلامي المعروف في القوانين الغربية؟، وهل يمكن تقصي مصادر الحقوق الشخصية والعينية؟، وانتهى حسب ما توصل إليه إلى رد مصادرهما إلى مصدرين اثنين هما: التصرف القانوني (الشرعي)، والواقعة القانونية (الشرعية) ، وجعل المؤلف الكتاب في قسمين: خصص القسم الأول منه للتصرفات القانونية وسماه" التصرف القانوني في الفقه الإسلامي" وأهمها العقد، وقد استغرق بعد المقدمة، الأجزاء الستة. وخصص القسم الثاني للواقعة القانونية (الشرعية) الذي توفاه الله قبل أن يصدره. والدراسة على أهميتها، ووجود بعض الفوائد والمزايا المنبثقة منها، واحتوائه على مادة علمية هامة، لا يمكن الاستغناء عنها خاصة لمن يرغب أن يتخصص في مجال الجمع في الدراسة والبحث بين الشريعة والقانون؛ إلا أن هناك بعض المثالب وقعت في البحث نتيجة للمنهج الذي سار عليه المؤلف في هذا الكتاب، وهو دراسة أو معالجة الفقه الإسلامي بأساليب القانون -غربيا كان أم شرقيا - لا تتفق مع طبيعة الفقه الإسلامي . سنتكلم في العدد القادم - بإذن الله - عن مزايا دراسة السنهوري في كتابه مصادر الحق في الفقه الإسلامي، والعيوب والإشكالات الناتجة من هذه التجربة .