مجلة علمية محكمة تعنى بنشر البحوث و الدراسات القضائية المعاصرة - تصدر عن وزارة العدل بالمملكة العربية السعودية


 كلمة التحرير

 
 أهم التجارب الحديثة في تقنين الشريعة امتداداً لما سبق الحديث عنه في الأعداد السابقة فيما يتعلق بالمقارنات التشريعية , وأهمية هذا العلم والذي صار له كتاباته ودراساته بل ومراكز متخصصة به , فإن من المناسب الإشارة إلى جانب مهم مما هو مرتبط بهذا الموضوع , وهو التجارب الحديثة لصياغة التشريعات باستمدادهامن الفقه الإسلامي بوصفها واحدة من مجالاتالعلاقة بين الفقه والقانون , وقد كانت هذه التجارب على مستويات متعددة فمنها ما كان على مستوى عدد من الدول كمشاريع الجامعة العربية ومجلس التعاون الخليجي , ومنها ما كان على مستوى الدول كما في الدولة العثمانية وغيرها , أو على مستوى الأفراد ,وفي هذه المقالة أشير إلى بعض هذه التجارب . فمن أبرز المشاريع الجمعية :المشروع العربي في تقنين الشريعة . حيث اتفق الوزراء العرب في صنعاء سنة 1981م على ما سُمي بـ :خطة صنعاء لتوحيد التشريعات العربية , وتهدف هذه الخطة إلى:توفير القاعدة المتينة والثابتة لإقامة التشريع العربي الموحّد وفق أحكام الشريعة الإسلامية مع الأخذ بالاعتبار ظروف المجتمع العربي في كل قطر , وتموضع القواعد المبدئية التي يتمّ بها صياغة هذه التشريعات , وكان من أساساتها : اعتماد القرآن الكريم والسُّنّة النبوية وما يؤول إليهما من إجماع أو قياس أو مصالح مرسلة دون التقيّد بمذهب معيّن من مذاهب الفقه، وكذا مبادئ العدالة التي لا تتعارض مع أحكام الشريعة الإسلامية . وقد أنجزت الجامعة عدداً من القوانين وهي قوانين استرشادية وغير ملزمة للدول , وهي :"وثيقة الكويت للقانون العربي الموحد للأحوال الشخصية " , و :" القانون المدني العربي الموحد " , و :" القانون الجزائي العربي الموحد " . ومن المشاريع الجمعية كذلك : مشاريع مجلس التعاون الخليجي . حيث تم إصدار عدد من مشاريع القوانين في الأحوال الشخصية والمدني والجنائي والإثبات في مجلس التعاون الخليجي , وقد وافقت عليها الدول الأعضاء بما فيها المملكة , وقد تم اعتمادها كمشاريع استرشادية . وتعد من أفضل القوانين صياغة من جهة مضمونها وتوافقها مع قواعد الفقه الاسلامي . وأما المشاريع على مستوى الدول : فأولها مشروع الدولة العثمانية . ففي أواخر القرن الثالث عشر الهجري شكلت الدولة العثمانية لجنة مكونة من سبعة علماء أسمتها ( جمعية المجلة) وكان يرأسها أحمد جودت باشا ناظر ديوان الأحكام العدلية(وزير العدل) وأسندت إلى هذه الجمعية مهمة وضع قانون المعاملات المدنية من الفقه الحنفي دون التقيد بالرأي الراجح، واستمر عمل هذه الجمعية سبع سنوات من سنة 1286هـ وحتى سنة 1293هـ حيث صدر هذا القانون في 26 شعبان 1293هـ وكان اسمه (مجلة الأحكام العدلية )وقد احتوت هذه المجلة على(1825) مادة , وعقب ظهور مجلة الأحكام العدلية في تركيا ظهر قانون حقوق العائلة العثماني عام 1326هـ، الذي ينظم الزواج والفراق، ولم يلتزم هذا القانون بأحكام المذهب الحنفي بل أخذ في بعض المسائل بأحكام المذاهب الأخرى، وبعد ذلك صدر قانون الجنايات . وقد أخذت بهذه المجلة عدد من الدول العربية وجعلتها قانوناً لها . ومن المشاريع على مستوى الدول كذلك : المشروع المصري لتقنين الشريعة . تم إعداد مشروع ضخم في تقنين مسائل الشريعة في مصر برئاسة رئيس مجلس الشعب المصري العالم / صوفي أبوطالب , وتَمَّ الانتهاء منه في سنة 1982م , إلا أنها بقيت مشاريع ولم تعتمد , وهي خمسة مشروعات قوانين طبقًا لأحكام الشريعة الإسلامية، هي: مشروع قانون المعاملات المدنية, و:مشروع قانون إجراءات التقاضي والإثبات, و: مشروع قانون العقوبات و: مشروع قانون التجارة و: مشروع قانون التجارة البحرية . ومن مشروعات القوانين المستمدة من الشريعة الإسلامية والتي قام بإعدادها أفراد ولم يتم إصدارها كقوانين نافذة:كتب الوزير المصري محمد قدري باشا: حيث قام الفقيه قدري باشا بعمل عدد من التقنينات مستمدة من أحكام الفقه الإسلاميتشابه التقنينات الوضعية، وأخذها من المذهب الحنفي , وهي :"مرشد الحيران إلى معرفة حقوق الإنسان في المعاملات الشرعية على مذهب الإمام أبي حنيفة النعمان "، و: "الأحكام الشرعية في الأحوال الشخصية " على مذهب أبي حنيفة النعمان، وقد قام بشرحه محمد زيد الإبياني، ويقع في ثلاثة مجلدات, و: "قانون العدل والإنصاف للقضاء على مشكلات الأوقاف " . غير أن هذه المجموعات الثلاث التي وضعها قدري باشا كانت عملاً فردياً ليست له صفة الرسمية من الدولة، وإنما كانت من المراجع التي أرشدت كل من تصدى للعمل الفقهي المقنن بعد ذلك، فضلا عن أنها مهدت الطريق لبدء التقنين الرسمي في كثير من الـدول، ومنها مصر. فهذه المشاريع وغيرها والتي تم صياغتها وفقا لصياغة القوانين الحديثة فضلا عن كونها بدايات قوية وجيدة تفيد في صياغة التشريعات باستمدادها من الفقه الاسلامي , فهي كذلك محل للدرس والمقارنة بالقوانين الوضعية لتشابه صياغاتها لبيان سبق الفقه الاسلامي للكثير من النظريات والحقوق , وتفوقه في جزالة الالفاظ والمصطلحات , وابداع علمائه في التقسيمات و ايراد الشروط والضوابط . رئيس التحرير