مجلة علمية محكمة تعنى بنشر البحوث و الدراسات القضائية المعاصرة - تصدر عن وزارة العدل بالمملكة العربية السعودية


 كلمة التحرير

 
 إن القواعد الكلية للفقه الإسلامي ، ونظرياته ، تشكل المرجعية التشريعية والأُطر المنهجية المنظمة والمحددة للمعايير العامة لتوصيف المسائل المستجدة وتكييفها ، تمهيداً لتنزيل الأحكام الشرعية عليها , وإن هذه القواعد والنظريات والآليات – بهذا الوصف – شاملة لكل ما يتطلبه التوصيف الفقهي ، الموجب لتحديد كل صورة ، وفرزها ، وجمعها إلى نظائرها ، وبمجموع ذلك تتشكل نظرية فقهية عامة، ومعلوم أن مصدر ذلك كلها هو الكتاب والسنة ، والتي أوجدت القواعد الأساسية إما بالنص عليها ، أو بالإشارة ، أو بالأمر بما يوجب استنباطها واستنتاجها ، والمتمثل بالأوامر المتكررة في النصوص لإعمال العقل والتفكير ، والإشارة إلى العلل والمقاصد . وقد ظهر في هذا العصر كثير من المسائل المستجدة ، ومنها ما يتعلق بـ " الدعاوى والبينات " وهذا القسم من الفقه الاسلامي مظنة لوجود نوازل فيه لطبيعته , حيث إن موضوع الدعاوى والبينات يتعلق بالحقوق والالتزامات وكيفية حفظها , وهذه تتغير بتغير الزمان من جهة حدوث بينات تشابه أو تفوق بعض البينات التقليدية ,كما أن القضاء معني بالفصل في المنازعات وبهذا فهو متأثر في تطبيقاته وإجراءاته بما يستقر عليه عمل الناس , وتعم به البلوى . وبحث النوازل يثري الدراسات الفقهية , ويدحض شبه المغرضين الذين يصفون الشريعة الاسلامية بالجمود , كما أن هناك تصاعد في مستوى الحضور الفقهي والقضائي الإسلامي في المنتديات والمحافل الدولية , الأمر الذي يحتم كثرة الدراسات في هذا النوع من النوازل , لتعزيز كفاية الأحكام الشرعية في حفظ الحقوق . ومن المسائل المستجدة في الوسط القضائي ما يتعلق بـ : حجية العمل بالتوقيع الالكتروني في الاثبات , على اعتبار ان التعاملات الالكترونية , وما ينتج عنها من وثائق الكترونية تستند على التوقيع الالكتروني , ولأن مجلة القضائية تعنى بالتطبيقات فتأتي كلمة هذا العدد في بيان الحكم الفقهي المختصر في هذه المسألة تمثيلاً لاهتمامات المجلة . نصت المادة الأولى من نظام التعاملات الإلكترونية السعودي الصدر المرسوم الملكي رقم (م/١٨) بتاريخ ٠٨/٠٣/١٤٢٨هـ على تعريف التوقيع الإلكتروني بأنه: "بيانات إلكترونية مدرجة في تعامل إلكتروني أو مضافة إليه أو مرتبطة به منطقياً تستخدم لإثبات هوية الموقع وموافقته على التعامل الالكتروني ,واكتشاف أي تعديل يطرأ على هذا التعامل بعد التوقيع عليه ". وللتوقيع الإلكتروني بمعناه العام عدد من الصور ، وهي: 1 – التوقيع اليدوي على شاشة جهاز الكمبيوتر أو لوحة خاصة معدة لذلك باستعمال قلم خاص عند ظهور المحرر الإلكتروني المراد التوقيع عليه على الشاشة . 2 – التوقيع باستخدام الخواص المميزة للإنسان دون غيره "المقاييس الحيوية" ، ويسمى : "التوقيع البيومتري" . 3 – التوقيع برقم التعريف السري ، كما في بطاقات الإئتمان . 4 – التوقيع الرقمي ، ويسمى : "التوقيع بالتشفير" Digital Signature وهو التوقيع الذي يتم إنتاجه باستخدام تقنيات علم التشفير من خلال عملية متعددة الخطوات تتضمن تشكيل وإنشاء رسالة إلكترونية ، وتشفيرها واختصارها إلى مجموعة من الأرقام أو الخانات الرقمية التي تشكل ما يمكن تسميته بالبصمة الإلكترونية ومن ثم إرسالها إلى الشخص المستقبل الذي يمكنه من خلال مفاتيح معينة خاصة به التوثق من الرسالة من حيث مضمونها وشخصية مرسلها ، وسلامتها من التعديل والتزوير منذ لحظة إرسالها إلى حين استقبالها .المرجع ولبيان دلالة التوقيع الالكتروني على الرضا في الفقه الاسلامي فلابد من التعرف على الطرق الدالة عليه وفقا للنصوص الشرعية : الطريق الأول: الألفاظ : عند الحديث عما هو دليل للرضا فلا شك أن الألفاظ من أظهر الطرق الكاشفة بجلاء عن الرضا ، ودلالة الألفاظ هي الطريق الأشهر والأظهر لـه , وفي الواقع فهي الطريق الطبيعية في إظهار الإرادة الباطنة في النفوس , وقد اتفق الفقهاء على كون اللفظ دالاً على الرضا ، وهناك تفاصيل طويلة في كتبهم في بحث دلالة الجملة الاسمية أو الفعلية والصريحة والكنائية ، ودلالة الخبر والإنشاء. ولن أطيل الحديث حوله لظهوره ، ووضوح دلالته . الطريق الثاني: المعاطاة : ويُقصد به : أن يُعطي إنسان سلعة لآخر، ويدفع لـه الآخر قيمتها من غير تلفظ بالإيجاب والقبول، أو أن يعرض التاجر السلعة – كما هو في كثير من التجارات اليوم - ، ويأخذها المشتري ويدفع ثمنها للبائع من غير تلفظ ، وصحة العقد بالمعاطاة ، هو قول جمهور العلماء ما عدا الشافعية . الطريق الثالث: الكتابة: يرى جمهور العلماء جواز انعقاد العقد بالكتابة ، وهي دالة عندهم على الرضا، بشرط أن تكون واضحة ، ويبقى رسمها بعد خطها , وقد تشكّل تأسيساً على هذا القول قاعدة : "الكتاب كالخطاب" ، وهي قاعدة فقهية مشهورة . الطريق الرابع: الإشارة : وقد اتفق الفقهاء على جواز العمل بإشارة الاخرس في الجملة ، وصحة العقد بها .وعلى هذا الأساس وضعت القاعدة : " الإشارة المعهودة للأخرس كالبيان باللسان" . الطريق الخامس: السكوت: الأصل أن السكوت لا يدل على الرضا ، وبالتالي : لا تنعقد به العقود وهذا ما اتفق عليه العلماء وقرروه في كتبهم ، ومن القواعد في ذلك قولهم: " لا ينسب إلى ساكت قول" , ولكن في صور محددة ووفق ضوابط معينة يعد دليلا على الرضا , ولهذا أضاف الفقهاء إلى القاعدة أن :"..والسكوت في معرض الحاجة إلى البيان بيان ". واستناداً إلى ما قرره الفقهاء في دلالات الرضا فيمكن القول أنه وبأي نوع حصل التوقيع فإنه دال على رضا الموقع لا محالة، سواءً كان ذلك بالتوقيع اليدوي على الشاشة ، أو باستخدام التوقيع البيومتري ، أو استخدام الأرقام السرية كما في البطاقات ، أو كان ذلك باستخدام التوقيع الرقمي، فكل هذه الصور – إضافة إلى دلالتها على شخص الموقع – فهي دالة على رضاه ؛ لأنه في الحقيقة هو الأصل في تعاملات الناس . وقد صدر من مجمع الفقه الإسلامي القرار رقم (54/3/6) لعام 1410هـ والمتضمن عدد من الفقرات وهي: 1 ] إذا تم التعاقد بين غائبين لا يجمعهما مكان واحد، ولا يرى أحدهما الآخر معاينة ، ولا يسمع كلامه، وكانت وسيلة الاتصال بينهما الكتابة أو الرسالة أو السفارة (الرسول) ، وينطبق ذلك على البرق والتلكس والفاكس وشاشات الحاسب الآلي "الكمبيوتر" ففي هذه الحالة ينعقد العقد عند وصول الإيجاب إلى الموجه إليه وقبوله. 2 ] إذا تم التعاقد بين طرفين في وقت واحد ، وهما في مكانين متباعدين, وينطبق هذا على الهاتف واللاسلكي فإن التعاقد بينهما يعتبر تعاقداً بين حاضرين، وتطبق على هذه الحالة الأحكام الأصلية المقررة لدى الفقهاء المشار إليها في الديباجة . 3 ] إذا أصدر العارض بهذه المسائل إيجاباً محدد المدة يكون ملزماً بالبقاء على إيجابه خلال تلك المدة، وليس لـه الرجوع عنه. 4 ] إن القواعد السابقة لا تشمل النكاح لاشتراط الإشهاد فيه، ولا الصرف لاشتراط التقابض ، ولا السلم لاشتراط تعجيل رأس المال . 5 ] ما يتعلق باحتمال التزييف أو التزوير أو الغلط يرجع فيه إلى القواعد العامة للإثبات . تأسيساً على ما سبق تقريره من دلالة التوقيع الإلكتروني بكل أنواعه على شخص وهوية الموقع ، وأنه دال على رضاه استصحاباً للأصل، وعملاً باليقين . ولأن القول المتوافق مع القواعد الفقهية والمقاصد الشرعية في وسائل الإثبات هو: القول بعدم حصرها بعدد معين ، وأن العبرة بمدى بيانه وإظهاره للحق , وبالنظر لحقيقة التوقيع الإلكتروني ، والكيفية التي يتم إجراءه بها، والضمانات الكثيرة سواءً كانت خاصة بمجري التعامل الإلكتروني , أو الضمانات العامة الواردة في النظام والتي تحقق الكثير من المصداقية في هذه التعاملات . فكل هذه الاعتبارات كافية للاستناد على التوقيع الإلكتروني في التقاضي ، واعتباره حجة كافية لإثبات صحة الوثيقة الإلكترونية الموقع عليها ، وضرورة التزام موقعها بما ورد في مضمونها, مع احتفاظ من استدل بها عليه بحقه في القدح بها وفق الطرق الشرعية والأنظمة المرعية في حال مخالفتها لشيء منها ,كما هو مقرر فقهاً , وقد أشار إلى ذلك قرار مجلس الفقه الإسلامي (54/3/6)في الفقرة الخامسة. ومن الاعتراضات التي قد ترد على اعتبار التوقيع الإلكتروني حجة ووسيلة من وسائل إثبات : ما هو معروف في عالم التجارة الإلكترونية من المخاطر التي تكتنف هذه التجارة ,نظراً لطبيعة الإجراءات فيها والوسائل المستخدمة، وتباعد المتعاقدين ، وما يرد على ذلك من تقليل الخصوصية ، والتشكيك في السرية، وحصول الاختراقات وانتشار الفيروسات ونحو ذلك مما قد يضعف الحجية . والجواب عن ذلك : أن الفقه الإسلامي لا يشترط اليقين في دلالة وسيلة الإثبات ، وإلا لشق ذلك على الناس، فهناك من الوسائل التي قررها الفقهاء ما لا يدل على اليقين ويكتنفه الكثير من الإشكالات كالقيافة واللوث ونحوها ، بل إن الشهادة لا تفيد اليقين فهناك احتمالية كذبهم أو خطأهم ، وأكثر من هذا فالإقرار وهو أقوى الأدلة فغاية ما يفيد الظن الراجح، لاحتمالية الكذب أو الإكراه ، وكل هذه الطرق حجة كما هو معلوم فكذلك الحال في التوقيع الإلكتروني بأنواعه الأربعة المشار إليها في المطلب الأول فهي حجة مع ما يرد عليها من احتمالات ، فهي تفيد الظن كباقي طرق القضاء الأخرى , مع ملاحظة الاشتراطات الواردة في نظام التعاملات الالكترونية لاعتبار الوثيقة الالكترونية . رئيس التحرير