مجلة علمية محكمة تعنى بنشر البحوث و الدراسات القضائية المعاصرة - تصدر عن وزارة العدل بالمملكة العربية السعودية


 كلمة التحرير

 
 

القضائية: إسهام في تحقيق مقتضيات المرحلة


القضاء ــ وهو مادة " القضائية" ــ  فهم ونزاهة وشيء من العلم، ويقاس نجاح القاضي وإتقانه لعمله في مدى توافر هذه العناصر فيه وتأثيرها في قضائه، وفي حين أنه يكفي من "العلم" ما يكشف للقاضي عن الحكم الواجب التطبيق والمتمثل في جملة النصوص الشرعية والقواعد الفقهية، إلا أن العملية القضائية تتطلب أقصى ما يمكن من "الفهم" لتحقيق مناط القضية المعروضة أمام القضاء والمتمثلة بالوقائع الثابتة بطرق الإثبات المعتبرة , وأما النزاهة فلا يكفي منها ما هو معلوم من النزاهة بالضرورة بل يتعدى الأمر إلى البعد عن الرِّيب والشبهات والحذر من مواطن الشبهات ليتحقق ما يُعبر عنه الخليفة المُحدَّث عمر بن الخطاب رضي الله عنه عندما قال:" حتى لا يطمع شريف في حيفك ولا ييأس ضعيف من عدلك ", إذا فالعلاقة طردية بين النزاهة وتحقيق العدالة كما هو الحال فـي:"الفهم" , أما العلم فيكفي شيء منه , وإذا أمعنت النظر في كتب السير العلماء وأخبار القضاة تلحظ أن المؤلفين يُثنون على العالم بقدر حفظه للنصوص وجمعه للأقوال بالدرجة الأولى , أما القضاة فيُثنى عليهم بالفطنة وسرعة البديهة واتقاد الذهن وغيرها من مظاهر الفهم وأدواته.
وتتأكد هذه المعاني بما ورد في القرآن الكريم في حكم سليمان وداود في الحرث حيث أصاب سليمان الحق لأنه أوتي الفهم قال تعالى: ".. وفهمناها سليمان وكلاً آتينا حكماً وعلماً " , وفي رسالة عمر لأبي موسى- رضي الله عنهما-  قوله ".. الفهم الفهم فيما أدلي إليك".
عنيت من هذه المقدمة إبراز المكون الأساس في العملية القضائية وبيان محوريته وهو : الفهم.
أما بعد .. فـ:"القضائية" مجلة علمية تُعنى بنشر البحوث والدراسات القضائية المعاصرة , كما هو مَرقومٌ على طُرَّتها , تستمد هويتها من المفهوم المشار إليه في المقدمة بحيث تعمل على تعزيزه من خلال أنواع موضوعاتها , وتهدف إلى: إثراء المكتبة الحقوقية والقضائية بخاصة بالأبحاث التطبيقية المُقارِنة ,   وإكساب القضاة وأعوانهم المعارف والمهارات للرفع من أدائهم المهني , وتعزيز العلاقة بين مرفق القضاء والمجالات المعاونة له كالمحاماة والتوثيق والتحكيم والخبرة والتحقيق , ويمتد ذلك ليشمل العاملين في هذه المجالات , ولأن القضاء كوظيفةٍ مجردةٍ عملٌ بشريٌ فالمجلة تُعنى بعرض المشروعات والتجارب المتميزة في إدارة مرفق القضاء من شتى المدارس المعاصرة للإفادة منها فيما يعود بالنفع على عملنا القضائي.
وتسعى المجلة إلى تغطية هذه الأفكار والأهداف من خلال :البحوث والدراسات والتي تتضمن في طياتها تطبيقات ومباديء قضائية , أو تقارن مع القوانين الوضعية تأصيلاً وتقريباً , وإبرازاً للسبق الإسلامي في إرساء قواعد العدالة والريادة في حفظ الحقوق , أو أن تكون هذه الأبحاث معنية بجوانب تطبيقة في الشأن القضائي كموضوع "التدريب القضائي" المنشور في هذا العدد , وما يشاكله من أبحاث تدعم المسيرة القضائية في جوانبها الموضوعية أو الإجرائية أو التنظيمية ؛ ومن تصنيفات المجلة كذلك : ورشُ عملٍ قضائية  تكون عوناً للتنفيذيين في الأجهزة القضائية في استطلاع أراء المختصين والمهتمين وأصحاب الشأن بطَرق مسائلَ محورية في العملية القضائية والخلوص إلى توصيات عملية ؛ وكذلك : "حقوقيون" ويختص بعقد لقاءات مع الشركاء في المصطلح , وهم الشرعيون والقانونيون سعياً لردم الهوة المفتعلة بينهما , وإظهاراً لزيف ما أُلصق زوراً بالشريعة والشرعيين من الانغلاق عن سماع الرأي الأخر والامتناع من الاستفادة من تجاربهم.
و:"مقالة قضائية" مباشرة تتجاوز أُطُر البحوث الأكاديمية من حدود وشروط وخلاف وترجيح لتعرض المسألة بوصف بيّن ممزوج بإحصائيات وأرقام مُقرِّبة للفكرة ثم الانتهاء إلى المطلب المراد بتعليل وتسبيب يوجب ما تنتهي إليه المقالة ؛ وإيماناً بأهمية المواثيق والمعاهدات والاتفاقيات والصكوك الإقليمية والدولية وأثرها في النظر القضائي , وضرورة إطلاع المعنيين عليها فقد اشتملت القضائية على تصنيفٍ يختص بنشر نصوصها وما يرتبط بها من أحكام.
تقترب المجلة من الدراسات القانونية لتقارن معها بحيث تبرز شيئاً من المسكوت عنه في تراثنا الإسلامي العظيم وتكشف ما أغفلناه مما يمكن استعادت نصوصه وصياغته في نظريات كلية ليسهل نشرها للكافة, ولا ينبغي بحال أن نتأخر عن نشر فقهنا وتراثنا القضائي المستمد من شريعة خالدة منزلة من رب هو الأعلم والأحكم بما يُصلح حال العباد.
نحن في مرحلة يلزم فيها تظافر جهود الفقهاء والقانونيين على كل المستويات للعمل بالنهوض بهذا القطاع , ولا بد من القول أن الغيرة على القضاء في المملكة – وهو المستمد من الشريعة الإسلامية ــ لا يجوز أن يكون حكراً على الشرعيين فقط بل هو همٌ لكل المعنيين وبالذات القانونيين منهم , كما أن البقاء في جانب بعيد عن هذه العلوم وقوانينها وأبحاثها وعلومها يعزز الشك على قدرة التراث الفقهي على المناقشة والبحث.
ويأتي صدور هذه المجلة في وقت يشهد به القضاء في المملكة تطويراً على عدد من المستويات :التنظيمي والإجرائي والتقني والهيكلي فصارت بحق مرحلة من مراحل تاريخ القضاء في المملكة تحتاج إلى الكثير من التعاون والانفتاح على علوم وثقافات قانونية نافعة مع التزام بالمبادئ القضائية ذات المرجعية الشرعية.
وتتطلع إدارة التحرير وهي تصدر العدد الأول من هذه المجلة أن تُسهم في رفع الوعي الحقوقي وأن تكون رافداً من روافد المعرفة العدلية بتنوع موضوعاتها، كما هو شأن مجلة (العدل) صاحبة التميز والريادة في هذا المجال على المجالات المتخصصة.
مستعينين - لتحقيق الأهداف- بالله سبحانه وتعالى , ملتزمين بقواعد النشر العلمية والكفاءة المهنية، ومستفيدين من رؤى وخبرة  هيئة " إشرافية " متنوعة الاختصاصات، ومسترشدين بتوجيهات المشرف العام معالي وزير العدل صاحب الفكرة وداعمها.
نسأل الله أن يسدد الخطى ويوفق الجهود.


رئيس التحرير