مجلة علمية محكمة تعنى بنشر البحوث و الدراسات القضائية المعاصرة - تصدر عن وزارة العدل بالمملكة العربية السعودية


 كلمة الوزير
 
 

رافدٌ مضافٌ إلى المادَّة التَّخصصيَّة

الحمدُ للهِ وحده، والصلاةُ والسلامُ على من لا نبيَّ بعده نبيِّنا محمد وعلى آلهِ وصحبهِ أما بعد :

فهذا هو العدد الأول من مجلتنا الجديدة " القضائيَّة " ، تُضاف لوصيفتها مجلة " العدل " ، مع اختلاف في التخصصِ النوعيِّ ، فالأولى : للمادة القضائية ، تُعنى بنشرِ بحوثها التخصصيةِ المُحَكَّمَةِ ، واستعراضِ تطبيقاتها العمليةِ الأكثر إلحاحاً وأهمية ، بصيغ متنوعة ، تتضمن : عقدَ ورشِ عملٍ ـ تحريرية ـ تشارك فيها النخبُ القضائيةُ والأكاديميةُ ؛ لتناقش موضوعات هذه المادة ـ فقهاً وقضاءً ـ ، فتُثري حوارَها ، وتُجلِّي معضلاتِها ، على هدي الشريعةِ وفهومِ أهل العلم من فقهائنا وقضاتِنا الذين منَّ اللهُ عليهم بالعلم والعمل ، فساروا بالناس على هدىً وبصيرة ، وكانوا خيراً وبركةً على البلاد والعباد ، معتمدين في مجلتنا هذه جزالة البحوث وجدَّتها ، ورصانة الأطروحات وعمقها ، معروضة كلها محك الدليل والتعليل ، تضطلع بهيئة إشرافها كَوكبة علميَّة ـ خيارٌ من خيار ـ، وبرئاسة تحريرها قاضٍ منَّ اللهُ عليه ببسطةٍ في العلم والعقل ، مع رسوخٍ ـ خاص ـ في الأقضية وعلومها .

   أما مجلة العدل فتُعنى بالبحوث الفقهية بعامَّة ، وذات الصلةِ بالشؤون العدلية بخاصَّة ، ما لم تكن مادة قضائية ـ صرفة ـ، فتكون لوصيفتها القضائية ، وطموحنا أن نحقق في الأخيرةِ ما تحقق في الأولى وأمثل، مع طموح أسمى بنقلهما جميعاً ـ على حدٍّ سواء ـ إلى آفاقَ علمية : أعمقَ وأشملَ ، وأقوى وأجزل ، ولاسيما في النوازل والمستجدات .

   هذا وستسعى "القضائية"ـ إن شاء الله ـ من خلال بحوثها المُحَكَّمَةِ وورش عملها الاستطلاعية إلى تتبُّع المبادئ القضائية من مصدرها ، واستجلاء نفائسها العلمية وآفاقِها التطبيقية ، فكثيراً ما تُطرْح الإيرادات ولا يتأتَّى دفعها إلا بطرح مقابل على هذا النحو ، وكثيراً ما تحول الغشاوة دون فهم مدرك الشريعة في العديد من الموضوعات ، وبخاصة في المادة الجنائية ، وقد تصدينا له ـ بعون الله وتوفيقه ـ في عدة حوارات مع جهات حقوقية ، ولم يَسَعْ كلَّ من أورد على حكم الشريعة بعد تبيانه مصفَّىً من الدَّخَل والإرجَاف ، وبيان حكمته وتعليله إلا التسليمَ ، بل والإعجابَ في ثاني الحال .

 ولا نُنكر أن ثمَّة إيراداتٍ مُهمةً في أذهان الكثيرين ، وسببها التصعيد المغرض ، والمعلومة المغلوطة ، وفراغ مقابلها ، وهو ما نسعى إلى ملئه في هذه المجلة بأقلام ومشاركات من ذكرنا ، اعتزازاً بديننا القويم ، وشريعتنا المُحْكَمَة ، التي سَهُلَ عليها استيعابَ مُتغيِّرات الزَّمان والمكان ، لتبرهن للعالمين أنها شريعةُ اللهِ الخاتمة الخالدة ، وليس بعد رسوخ ثباتها ، وتجدّد عَطَائِهَا وضِيَائِهَا ـ بإعجاز تشريعي في مبانيه ومعانيه ـ من بُرْهان يَقْطَع بصَلاحِها وإِصْلاحِها للبِلادِ والعِبَادِ ، على امْتِدَادِ الزَّمَانِ والمَكَانِ ، واختلافِ العوائد والأحوال .

وبالاستقراء والتّتبع فإنَّ أحفلَ الناس بشريعتنا المطهرة مَنْ ذاقَ عدلَها ، أو طالبُ حقٍّ فهم حقيقتها باستيعاب مقاصدها وغاياتها ، واستقراء مشهدها الحافل في تاريخ الدول الإسلامية التي نعمت بتطبيقها ورغدت بأمنها ، ولم تخنع يوماً لمدِّ الشر ، وفتن الدنيا ، وتحريض المرجفين ، وتهويل المنهزمين والمختطفين ، وإرجاف المدخولين والمأجورين ، " وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا " 2 -3 [ الطلاق ] ، " صِبْغَة اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَة وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ " 138 [ البقرة ] ، " قلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ " 161 [ الأنعام ] ، ولن نَشْبَعَ مِنْ تدبر هذه المعاني ومثانيها ، وقائلها لا يخلف وعده وهو سبحانه مَنْ مُعَوَّلُنا عليه ، وعاقبة الأمور إليه .

هذا : وبالحوار والنقاش فإنّنا لم نجدْ من غيرنا صُعوبة تُذكر في استيعابِ المعاني الجليلة في مُحتوى ومَضَامين شَريعتنا ، وبالمِثال في موضوع يكثر دورانه على محاور " أجندة " الاستطلاعيين والحقوقيين ، ويُصنَّف في تقدير البعض بالشَّائك ، لكنَّهُ بالحِوار المَوضُوعيّ استحال إلى تفهم واقتناع ، إثر استخدام أدوات الحوار مع المحايد الجاد في تتبعه للحق ، فقد طُرح علينا في نقاش عام مع بعض الجهات الحُقوقيّة التي زارتْ الوزارة بصفةٍ رسميةٍ للاستفسار والاستطلاع ، وكان مما طرح أمور تتعلق بحدِّ الرِّدة ، وخلاصة ما دار من حوار تتركز على إقرار المُحَاور على خيار أي دولة في اختيار دستورها ، ثم النزول على أحكامه .

 ومن أحكام دستورنا الذي يمثل قناعة الشعب في ديانته التي هُدي إليها ، منع الارتداد عن الدين ، يتبع هذا أن لكل منهج فلسفته في تفسير هذا الارتداد ، ومتى كانت القناعة في اختيار المنهج راسخة وقوية فإن التفسير الملاقي لهذا هو الإساءة البالغة له ، بأبعادها وآثارها على سمعة دين يمثل شعار دولة ، ومنهج حياة ، لا ديناً ينطوي فيه على نفسه ، فضلاً عن احتمال اختراق هذه السمعة بالدخول ، ثم الخروج ؛ للإيهام بالبرهان على الرغبة عنه من الداخل بالتجربة ، لتحطيم الجبهة الداخلية وتشكيكها في دينها ، وهو ما يمكن تسميته بـ : " مناورة الارتداد " في جملة ما بينه المولى جل وعلا عن مكر يهود في قوله: "وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آَمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آَمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آَخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ"  72 [ آل عمران ] ، في سياق لا يقل في توصيف البعض عن مؤيدات عقوبة الخيانة العظمى ، أو العبث بمقومات السلام الاجتماعي ، أو ممارسة عمل له تأثير ضار على الرأي العام ، في مضامين دساتير وقوانين العديد من الدول ، أخذاً في الاعتبار حمل الجنسية بثقة المواطنة وصدقها ، والنصح لها ، ثم الارتداد عليها بما يسيء إليها من داخلها لصالح أعدائها ، وما تنفع ذرائع الحرية إذا كانت مسيئة للنظام العام ، وترتد عكساً على مفاهيم المجتمع الذي قبل بعضوه الجديد ، خاصة وأن اعتناقه دين الإسلام لم يكن بإكراه ، بل بقناعة وعلم بحكم الارتداد .

 ومن كان في إسلامه بحكم النشأة والمُواطنة فإنَّ شرطها هو استدامة احترام أحكام دستورها ، والإسلام شرائع منهجية وشعائر ظاهرة لا تنغلق على نفسها وتنزوي في دائرة ضيقة تمس الفرد وحده في خاصة عبادته فحسب ، على تفاصيل موسعة ، في هذا لا نطيل بإيرادها ، جرى سياقها بمصطلح تفكير القوم .

 ومن خلال هذا الطرح وأمثاله في كثير من القضايا والشُّبهات المثارة تولدت لدى الكثير القناعة ، إن لم تكن بسلامة المنهج فلا أقلَّ من احترام خياره وأحكامه ، وإلا كانت النتيجة المصادرة ومن ثم الحَمْل على المُرَاد ، وهُو ما يتناقض مع مبادئِ الحُرِّية التي يُلَوّح بها أصحاب هذه الشبهات ، على أن الحريَّةَ المنضبطةَ مترسخةٌ في ديننا ، فغالب أحكام الشريعة مبنية على رعاية هذه الحرية مع ضبطها بزمام الشرع ، وأمر وليّ الأمر فيما يقرره من تنظيمات منوطة بالمصلحة على هَدْي الكتابِ والسّنةِ .

    وستتناول ـ إن شاء الله ـ مضامين مجلتنا "القضائية" أمثالَ هذه الأطروحات ضمن بحوثها وورش عملها ، وما أحسن أن تُضَمَّن تسبيبَ أحكامنا القضائية في سياق متجانس ، ولاسيما أنها ستنشر وتترجم وتقع بأيدي غيرنا ، فالحكم القضائي المؤسس على قواعد التسبيب المُحْكَمَة يكتسي دثاراً وشعاراً فيه التَّجِلَّة ، والمنعة ، والقوة ، والمهابة ، والقاضي المسلم قوَّام بالقسط ، ولو على نفسه أو الوالدين والأقربين ، ينشر الخير ويدعو إليه ، ويذبّ عن دينه ولا يُسَجّل فواتاً عليه ، مَهْدِيَّاً ببصيرةِ العلم ، وأدَبِ الإسلام ، وحكمةِ أهل العلم والإيمان ، وهذه هي : "حِلْيَةُ القَاضِي" ، ولنا معها حديث خاص متى مَدَّ اللهُ في العمر وأعان .

    كما نشير إلى أن " القضائية " جزء من الاستحقاق الكبير على الوزارة ، فهي معنية بنشر الثقافة العدلية ، في إطار مشروع خادم الحرمين الشريفين الملك
عبد الله بن عبد العزيز لتطوير مرفق القضاء، الذي خطا ـ بحمد الله تعالى ـ خطوات مباركة في كافة أقسامه : سواء في المباني والتجهيزات ( إن في مرحلتها الانتقالية بالاستئجار أو التأسيسية بالبناء لتكون دور العدالة على المستوى اللائق بها ) ، أو التأهيل ( بصلة مادته العلمية بمستجداتها في سياق ما أخذه في مقاعد الدرس الأكاديمي) ، والتدريب ( بصقل هذه المادة بمهارات العمل ومستجداتها ـ طرحاً ونقاشاً وتحليلاً ـ وهي الدربة في معنى التدريب ) ، أو التقنية التي عملت الوزارة ولا تزال تعمل على أن تكون الأنموذج الأمثل من بين الدول في توظيف التقنية لخدمة العدالة ، وغير خاف أن التقنية تختزل العديد من الإجراءات وتختصر الوقت على أركان القضية ، مضافاً إليها خطط الوزارة الرديفة التي لا تزال قيد الدراسة في الدوائر التنظيمية ، ومنها شمول فكرة الوساطة والتوفيق عن طريق الصلح الشرعي بنظام ، وتعزيز ثقافة التحكيم ، واستحصال تكاليف الدعوى من الخاسر على تفاصيل موسعة تراعي بعض الوقائع لتسند حالاتها الخاصة إلى اجتهاد القاضي وفق سلطته التقديرية ، وتفعيل تعليمات الحد من الدعاوى الكيدية ، ونشر المبادئ القضائية التي تعمل عليها المحكمة العليا بهمة عالية ، وفصل العمل التوثيقي في المحاكم عن العمل القضائي ، وإسناده إلى جهاز التوثيق ما لم يَنْتهِ النظر التوثيقيّ إلى خُصُومةٍ فتحال للقضاء ، مع إسناد القاضي بالمهارات الشرعية والنظامية ومُحضري القضايا ، وهو ما تعمل عليه الوزارة بالتنسيق مع الجهات ذات العلاقة ، ويتطلب وقتاً فاختيار الكفاءات المتخصصة لهذا الغرض من الأهمية بمكان .

وفي هذا كله تحقيقٌ لمطلب العدالة الناجزة ، مع تخفيف العبء على القضاء بما يسمى " بدائل التقاضي" التي تأخذ بها غالب الدول ، غير أن لنا في هذا خصوصية تتطلب تمحيص هذه البدائل من وجهين : أولهما سلامتها الشرعية ، وثانيهما ألا تحول بين المتظلم وبين القضاء متى كان مظلمته مشمولة من حيث الأصل بالنظر القضائي .

 وقد رفعت الوزارة في هذا الشأن العديدَ من المقترحات ، ومن بينها مشاريع أنظمة ، وخطط "استراتيجية" أسهم فيها العديد من شركائنا تتوخى سرعة البت في القضايا ، اضطلاعاً بواجب الوزارة بالرفع عن كل ما من شأنه الرقي بالمستوى اللائق بمرفق العدالة كما ينص على ذلك نظام القضاء ، وأملنا من الجميع أن يستشعروا بأنَّ إقرار ما ذكر أو بعضِهِ يتطلبُ من الدَّوائر التنظيمية في الدولة وقتاً تُحمد فيه المُسَارعة ، وتذمُّ العجلةُ ، ولن تَقل عنَّا هذه الدوائر حرصاً على الإسهام في تطوير مرفق العدالة ؛ فهي ركن ركين في البناء الحضاري للدولة بما قدمته من ثراء تنظيمي متميّز في طليعته أنظمة القضاء .

هذا : ولن تستغني " القضائية " عن مشاركة أصحاب الفضيلة القضاة في أبحاثها وورش عملها ؛ فمشاركتهم تتميز بـ : "الطرح المضاعف" ، حيث امتلاك أدوات التنظير(بحكم تأهيلهم الشرعي وتميزهم العلمي التخصصي)، وامتلاك أدوات التطبيق(بحكم ممارستهم العملية) مع ما يكتنفه من تفاعل قضائي مستنير مع المحكمة الأعلى ـ عند الاقتضاء ـ، وهو ما أثرى العمل القضائي في المملكة، وجعل كثيراً من الأحكام تحفل بمادة علمية لم تفت أحداً مثلما فاتت الباحثين والدراسين في أطروحاتهم ذات الصلة، حتى إنك لتطلع في مثاني بعض الأحكام (في رصدها التطبيقي، وتدليلها الشرعي والنظامي، مع براهين عقلية تنسجم مع كلٍّ) ، على عيون من التسبيب تأخذ القارئ إعجاباً بالمقدرة على اقتحام لجَّةِ هذا البحر الذي تحفه المخاطر من كل وجه، لولا ما حبا الله كفاءاتنا القضائية من القوة والأمانة، وقد كان في وسع أيٍّ منهم أن يركن إلى إيراد المحكمة الأعلى، وهو خارج من العُهدة دنيا لا ديانة، لكن القاضي السعودي يتميز  بنشأته في محاضن شرعية تعاهدته من سِنيِّ طفولته، حتى مقاعد الدرس التخصصي في كليات الشريعة وما بعدها، حيث آداب القاضي وحليته، وترسيخ أحكام الشريعة في صدره، وبناء الوازع الديني في وجدانه، وهو ما يُسَمِّيه البعض الوازعَ الأخلاقي (مع فارق كبير في المادة والأثر) .

 وهذا التميُّز الذي يخالطُ كيانه، ويسدد أركانه، يحمله على وجوب إبراء الذمة، والخروج من العهدة، بتحري الحقِّ بدليله، وهو ما يتولد عنه في بعض القضايا سجَالٌ قضائيّ: حسنُ المقصد، مسدَّد المَنهج، محمودُ النَّتيجة،في كَونٍ مُباركٍ يجعلُ الجميع على محجة بيضاء، لا يسع أيَّاً من درجات التقاضي إلا التسليم بها، ثم لا يسع القاضي ـ في سياق هذا المعنى الشرعي والنظامي ـ متى فِهِمَتْ المحكمةُ الأعلى عنه جوابَه، ولم تَقنعْ بما انتهى إليه إلا النزول عند اجتهادها الذي مثل مبدأها القضائي واجب الاتباع، متهماً رأيه في مقابل ما تتميز به عليهِ في:"الخبرة"، و" الرتبة" و"العدد" و"الصلاحية"،مَهْدِيَّاً في هذا بحلية العلم والإيمان وأدب الإسلام، لا يعتريه شكٌّ أنَّ كلاً ينشد الحق بدليله، وداخلاً القضاءَ على هذا الضياءَ، وبالله التوفيق.

وزير العدل