مجلة القضائية


أهم ملامح التطور في القضاء الدولي الدائم. الدكتور / محمد بن صافي يوسف طباعة

الدكتور / محمد بن صافي يوسف [ أستاذ القانون الدولي العام بكلية الحقوق بجامعة عين شمس و كلية الحقوق و العلوم السياسية بجامعة الملك سعود ]

مقدمة على غرار ما هو قائم داخل الدولة الواحدة، يحتوى المجتمع الدولى فى الوقت الراهن على ثلاث سلطات أساسية تتمثل على التوالى فى السلطة التشريعية والسلطة التنفيذية والسلطة القضائية؛ ولكنه لا يمكن القول على الرغم من ذلك أن سلطات المجتمع الدولى قد بلغت درجة من التنظيم والتطور والاستقرار تضاهى تلك التى وصلت إليها سلطات الدولة، ولا ينبغى أيضا الحكم على الأولى انطلاقا من المفاهيم والمبادئ التى ترتكز عليها الثانية، وذلك لاختلاف طبيعة المجتمع الداخلى عن المجتمع الدولى ليس فقط من حيث الأشخاص الفاعلين، وإنما أيضا من حيث مصادر القانون الذى ينظم العلاقات التى تنشأ داخل كلاهما. فالمجتمع الدولى لا يحتوى على سلطة تشريعية عليا على النحو المتعارف عليه فى القانون الداخلى، ولكنه يعرفها بالقدر الذي يتلاءم مع طبيعته الخاصة كمجتمع متميز ومستقل، وهى سلطة تتمثل فى "الدول والمنظمات الدولية" بوصفهم الأشخاص الرئيسيين لهذا المجتمع، وهم من ثم منشئو القواعد القانونية الدولية من خلال إبرام المعاهدات وإنشاء الأعراف الدولية وإصدار القرارات والتوصيات، وهم أيضا وفى ذات الوقت المخاطبون بأحكامها، وهو وضع يجد له فى الواقع مثيلا فى القانون الداخلى، حيث إن القواعد القانونية التى تجد مصدرها فى "العقود" تنشأ من قبل أطراف العقد الذين هم أيضا المخاطبون بها . كما أن المجتمع الدولى يحتوى على سلطة تنفيذية تتمثل بصفة أساسية فى أجهزة المنظمات الدولية العالمية والإقليمية؛ وهكذا على سبيل المثال، فإنه يحق لمجلس الأمن التابع لمنظمة الأمم المتحدة، متصرفا فى إطار الفصل السابع من ميثاق هذه الأخيرة، توقيع جزاءات غير عسكرية وعسكرية على الدولة التى تهدد السلم والأمن الدوليين أو تخل بهما أو ترتكب عملا من أعمال العدوان ، ويتولى المجلس تنفيذ أحكام محكمة العدل الدولية حينما لا تـُـنفذ طواعية ، ويحق لمجلس جامعة الدول العربية فصل الدولة العضو التى تخالف ميثاق الجامعة . وأما عن السلطة القضائية، فإن وجودها فى المجتمع الدولى المعاصر أكثر وضوحا وتماسكا من وجود السلطتين التشريعية والتنفيذية، وهى تتمثل من ناحية فى القضاء الدولى المؤقت، أى محاكم التحكيم الدولى التى تـُشكل بغرض الفصل فى نزاع دولى محدد ثم تنقضى فى أعقاب انتهاء مهمتها ، ومن ناحية أخرى فى القضاء الدولى الدائم الذى يتكون من مجموعة من المحاكم الدولية الدائمة على المستويين العالمى والإقليمى والتى يختص بعضها بالنظر فى جميع المنازعات الدولية بغض النظر عن طبيعتها، ويختص البعض الآخر بالفصل فى طائفة محددة من المنازعات الدولية قد تكون ذات طبيعة تجارية أو إدارية أو متصلة بحقوق الإنسان وحرياته الأساسية أو بالبحار أو غيرها من الموضوعات. والواقع أن المجتمع الدولى لم يعرف القضاء الدولى الدائم إلا مع إنشاء المحكمة الدائمة للعدل الدولى عام 1920 كجهة قضائية دولية مستقلة عن منظمة عصبة الأمم ، ثم حلت محكمة العدل الدولية محلها عام 1945 ، وتوالى فى أعقاب ذلك إنشاء المحاكم الدولية الدائمة ، حيث نشأت على سبيل المثال خلال الفترة من 1945 إلى 1980 المحكمة الإدارية لمنظمة العمل الدولية، ومجموعات العمل الخاصة بتسوية المنازعات فى إطار الاتفاق العام للتعريفات الجمركية والتجارة والمعروف اختصارا بجات 1947، والمحكمة الإدارية للأمم المتحدة، والمحكمة الأوربية لحقوق الإنسان، والمحكمة الإدارية لجامعة الدول العربية، والمحكمة الأمريكية لحقوق الإنسان، والهيئة القضائية لمنظمة الأقطار العربية المصدرة للبترول، ومحكمة عدل الجماعات الأوربية التى تحولت حاليا إلى محكمة عدل الاتحاد الأوربى. وقد تكاثرت المحاكم الدولية الدائمة بشكل ملحوظ مع مطلع العقد التاسع من القرن الماضى، فأنشئ جهاز تسوية المنازعات التابع لمنظمة التجارة العالمية ، والمحكمة الدولية لقانون البحار، والمحكمة الجنائية الدولية، والمحكمة الأفريقية لحقوق الإنسان والشعوب ، بل ولا يُعتقد بأن حركة إنشاء المحاكم الدولية الدائمة سوف تتوقف فى المستقبل المنظور، حيث من المتوقع إنشاء محكمة دولية عالمية لحقوق الإنسان، ومحكمة لتسوية المنازعات الدولية المتعلقة بالبيئة، ومحكمة دولية لقانون الفضاء، ومحكمة نقض لتنظر فى الطعون ضد أحكام المحاكم الدولية الإدارية، وذلك إضافة إلى احتمال ظهور "محكمة العدل العربية" التى طال انتظارها وينص عليها ميثاق جامعة الدول العربية المُبرم عام 1945، وقــُـدم العديد من المشروعات والمقترحات الخاصة بها ولكنها لم تر النور بعد . وتكاثر المحاكم الدولية الدائمة يأتى ولا شك تلبية لتزايد المنازعات الدولية وتنوع موضوعاتها تنوعا كبيرا، وهو التزايد الذى يعود ليس فقط إلى تزايد عدد الأشخاص والفاعلين الدوليين ، وإنما أيضا إلى نمو موضوعات القانون الدولى العام كنتيجة لامتداد قواعده وأحكامه إلى تنظيم موضوعات ومجالات كانت تـُعد فى الماضى من صميم الاختصاص الداخلى للدول ، ولا شك أن تكاثر المحاكم الدولية الدائمة يزيد من فرص تسوية المنازعات الدولية بالطرق السلمية، ويكفى أن نشير هنا على سبيل المثال إلى أن محكمة العدل الدولية قد فصلت حتى عام 2012 فى ما يقرب من مائة وعشرين نزاعا، إضافة إلى إصدارها لما يزيد على خمسة وعشرين رأيا استشاريا، وأن جهاز تسوية المنازعات التابع لمنظمة التجارة العالمة قد اضطلع بتسوية ما يقرب من خمسمائة نزاع بين الدول الأعضاء . ويمكن تقسيم المحاكم الدولية الدائمة، وذلك وفقا لمعيار جغرافى أو على أساس مدى إتاحة الحق فى التقاضى، إلى من جهة محاكم دولية دائمة عالمية تسمح بالحق فى التقاضى أمامها لكيانات محددة أينما وجدت على مستوى العالم مثل محكمة العدل الدولية والمحكمة الدولية لقانون البحار والمحكمة الجنائية الدولية والمحكمة الإدارية للأمم المتحدة والمحكمة الإدارية لمنظمة العمل الدولية وجهاز تسوية المنازعات التابع لمنظمة التجارة العالمية، ومن جهة أخرى محاكم دولية دائمة إقليمية لا تسمح بالحق فى التقاضى أمامها إلا لكيانات محددة تجمعها روابط معينة قد تكون ذات طبيعة جغرافية أو لغوية وثقافية أو دينية أو غيرها مثل محكمة عدل الاتحاد الأوربى والمحكمة الأوربية لحقوق الإنسان والمحكمة الأمريكية لحقوق الإنسان والمحكمة الإدارية لجامعة الدول العربية ومحكمة الاستثمار العربية ومحكمة الدول العربية المصدرة للبترول، وكذا محكمة العدل الإسلامية الدولية والمحكمة الأفريقية للعدل وحقوق الإنسان اللتان لم تدخلا بعد حيز النفاذ . كما أنه يمكن تقسيم المحاكم الدولية الدائمة من حيث الاختصاص إلى محاكم دولية دائمة عامة الاختصاص، أى تنظر فى أى نزاع دولى بغض النظر عن نوعه، كمحكمة العدل الدولية ومحكمة عدل الاتحاد الأوربى، وكذا محكمة العدل الإسلامية الدولية والمحكمة الأفريقية للعدل وحقوق الإنسان، ومحاكم دولية دائمة متخصصة فى حل طائفة معينة من المنازعات الدولية كالمحكمة الدولية لقانون البحار والمحاكم الدولية الإدارية والمحكمة الجنائية الدولية وجهاز تسوية المنازعات التابع لمنظمة التجارة العالمية والمحكمة الأوربية لحقوق الإنسان والمحكمة الأمريكية لحقوق الإنسان ومحكمة الاستثمار العربية . والناظر فى النظم الأساسية للمحاكم الدولية الدائمة يُلاحظ أن هناك تطورات عميقة قد طرأت على العديد من الجوانب المتعلقة بتشكيل واختصاص هذه المحاكم والتقاضى أمامها والإجراءات التى تتبعها وتنفيذ أحكامها، ويهدف بحثنا هذا إلى بيان وتحليل أهم ملامح هذا التطور، ومناقشة مدى تأثيره على الدور الذى تضطلع به المحاكم الدولية الدائمة فى تسوية المنازعات الدولية التى يعج بها مختلف مناطق العالم، وتشكل تهديدا للسلم والأمن الدوليين، وتؤثر تأثيرا بالغا على مسيرة التنمية والاستقرار ليس فى الدول المتنازعة فحسب، وإنما فى كافة دول العالم. ويمكن لأغراض الدراسة تصنيف التطورات التى طرأت على القضاء الدولى الدائم إلى تطورات تتعلق بتشكيل واختصاص المحاكم الدولية الدائمة (المطلب الأول)، وتطورات أخرى تخص التقاضى أمامها (المطلب الثانى).  


 
16/شعبان/1441 


جميع الحقوق محفوظة لـ مجلة القضائية